عبد الملك الجويني
445
نهاية المطلب في دراية المذهب
ارتكاب ( 1 ) الخلافيين ، وقد حكيت هذا في كتابٍ واستشهدت بمسألةٍ من الخلع ، ولم أتثبت فيها على ما ينبغي . 8865 - وهذا أوان التفصيل على التحصيل الذي عليه التعويل . فنقول : إذا كان البادىء الزوج ، فقال لامرأتيه : أنتما طالقان بألف . فإذا قبلت إحداهما ، ولم تقبل الثانية ، لم يقع شيء ، كما لو قال مالك العبد : بعت عبدي هذا منكما بألف درهم ، فقبل أحدهما دون الثاني ، لم يصح . والخلع أولى بألا يصحَّ ببعض القبول فيه ، لما فيه من تضمين التعليق . وإن صح في البيع تصحيحُ القبول من أحدهما دون الثاني ، لم يمتنع خروج مثله في
--> ( 1 ) ارتكاب الخلافيين : تكرر هذا اللفظ ( ارتكب ) بأكثر من صيغة من صيغ الاشتقاق ، في مواضع كثيرة على طول هذا الكتاب ، ومنها على سبيل المثال قوله في خطبة الكتاب : " وما اشتهر فيه خلاف الأصحاب ذكرته ، وما ذكر فيه وجهٌ غريب منقاس ذكرت ندوره وانقياسه ، وإن انضم إلى ندوره ضعف القياس نبهت عليه . . . وإن ذكر أئمة الخلاف وجهاً مرتكباً أنبه عليه " . وحين يعرض للاجتهاد في القبلة ، يعقب على أحد الوجوه في صورة من الصور قائلاً : " وهذا إن ارتكبه مرتكب ، ففيه بعدٌ ظاهر " وفي باب آخر يعقب على أحد الوجوه قائلاً : " ولم يصر إلى هذا أحد من أئمة المذهب ، وإنما هو من ركوب أصحاب الخلاف " وفي كتاب النكاح يعقب على إحدى المسائل قائلاً : " ولما نظر القفال إلى ما ذكرناه ، لم يجد فرقاً ، وارتكب طرد القياس في المسألتين اللتين ذكرهما صاحب التقريب ، وقال أولاً : إنه حكى فيهما نص الشافعي ، وقد تتبعت النصوص ، فلم أجد ما حكاه من المسألتين منصوصاً . . . " . هذه نماذج لورود هذا اللفظ ، وصورٌ من اشتقاقاته ، ولقد تبادر إلى الذهن أن هذا ( الارتكاب ) أحد مصطلحات علم الجدل والمناظرة ، فبحثت واستقصيت جهدي في كل مظانه : في الكافية في الجدل لإمام الحرمين ، المعونة في الجدل لأبي إسحاق الشيرازي ، واصطلاحات المتكلمين والفلاسفة للآمدي ، المعجم الفلسفي لمجمع اللغة العربية ، وكشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي ، وتعريفات الجرجاني ، وكليات أبي البقاء ، ثم غريب ألفاظ الشافعي ، ثم معاجم اللغة ، ثم معجم الألفاظ التي شرحها ابن خلكان في الوفيات . ويبدو أن المراد بالارتكاب هنا التعسف وركوب الطريق غير السوي ، يظهر ذلك من سياق العبارات التي أمامنا ، والذي يرشح هذا التفسير أن هذا ( الارتكاب ) يكون عادة من أئمة الخلاف ، عند نصرة كل صاحب رأي لرأيه ، فيعتسف أيّ طريق ، انتصاراً لرأيه ، وفراراً من إلزامات خصمه . والله أعلم .