عبد الملك الجويني

436

نهاية المطلب في دراية المذهب

ولو أنشأ الزوج الطلاق في الوقت المعيّن ، وقصد أن يكون ذلك ابتداءَ إيقاعٍ منه ، من غير تقدير وفاء بملتزَم ، فيقع الطلاق رجعياً . وإذا قالت المرأة لزوجها : طلقني واحدة بألف ، فقال : " أنت طالق " ، على الاتصال ، وقصد ابتداءَ الطلاق ، لا إيقاعَه جواباً ، فالطلاق يقع رجعياً ، ولكن بينه وبين الله تعالى ، ولا يصدّق في دعواه الانفرادَ والاستبدادَ مع اتصال لفظه بلفظها . وإذا انفصل الطلاق ووقع في الوقت المستدعى في المسألة التي نحن فيها ، ثم زعم أنه قصد ابتداءً ، فالظاهر عندنا أنه يُصدّق ظاهراً ، وتنفصل هذه المسألة عن الجواب المتصل في الأمر الظاهر . ولو قال : قصدتُ جوابها وإسعافَها ، ولكن علمت فساد العوض ، فالذي قطع به الأصحاب أن الطلاق مُبينٌ ، فيثبت الرجوع إلى مهر المثل ، كما قدمناه لا يتغير الحكم بعلمه بالفساد وجهله [ به ؛ فإن المسلمَ يعلم تسميةَ الخمر فاسدة ] ( 1 ) ، وإذا سماها ، ثبتت المالية في الخلع ، وسبب هذا أن المالية تثبت بقصد المالية ، والعلم بالفساد لا ينافي قصد المالية ، وكيف ينافيه والشرع قاضٍ بالمالية . وفيما نقل عن القاضي أنه إذا علم الفساد ، لم يستحق ، وكان الطلاق رجعياً في محل الرجعة . وهذا كلام رث لا حاصل له . والممكن في توجيهه أن الطلاق إذا انفصل عن استدعائها ، ضعف عن اقتضاء المال ، ورجع إلى عنصره ( 2 ) ووجب حمله على إطلاقه . وهذا إنما كان يستقيم لو كان يبغي البدل ، مع ظن الصحة مصيراً إلى أن الطلاق إذا انفصل ، فلا محمل له إلا الابتداء ، فإذا لم يقل هذا ، فلا رجوع إلا إلى الفرق بين [ العلم ] ( 3 ) بالفساد والجهل به .

--> ( 1 ) ما بين المعقفين مكان عبارة الأصل المضطربة ، التي جاءت هكذا : " لا يتغير الحكم بعلمه بالفساد وجهله بضمان المشلة يعلم تسمية الخمر فاسدة . . . إلخ " والحمد لله صدّقَنا ( صفوة المذهب ) . ( 2 ) إلى عنصره : أي إلى أصله . ( 3 ) في الأصل : العمل .