عبد الملك الجويني

371

نهاية المطلب في دراية المذهب

الأصحاب فيه الاتصالُ ، والإحالةُ على العرف ، وقد تقصَّيت هذا في البيع ، وأوضحتُ أن المنتهى المطلوبَ فيه أن لا يتخلل زمانٌ يشعر تخلُّله بإعراض المخاطَب عن الجواب ؛ فإذا تخلل مثله ، انقطع . ومن لطيف الكلام في ذلك أنه لو أمكن تردده ليفكر ويرعى المصلحة ، ويرى ما عنده ، فلا معوّل على هذا ، فإن الإيجاب والقبول مبنيان على تقديم الرأي ، ومن يوجب يبتدئ الكلام ، وغرضه أَخْذُ الجواب على الفور ، لا تفويضُ الأمر إلى المخاطب ليرى [ رأيه ] ( 1 ) . فإذا تخلل ما يقطع الاتصال الذي ذكرناه ، بطل التواصل ، ولو وجد قبول من بعدُ ، لم ينفع . والمذهب أنه لو تخلل كلامٌ يسير لو فرض بدله سكوت لما انقطع ، فلا أثر لتخلل ذلك الكلام ، ونصُّ الشافعي : [ شاهد ] ( 2 ) فيه ؛ فإنه قال : " لو خالع امرأته ، فارتدت ، ثم قبلت ، ثم عادت قبل انقضاء العدة ، وهي ممسوسة ، فالخلع واقع " ، فلم يجعل تخلل كلمة [ الردة ] ( 3 ) قاطعة للجواب عن الإيجاب . وذكر الشيخ أبو علي في شرح التلخيص أن تخلّل كلامٍ من القابل بين الإيجاب والقبول يقطع القبول ، وهذا غير سديد ؛ فإنه [ لا يدلّ ] ( 4 ) على الإعراض ، والنص يخالف ما قال ، كما ذكرته . ولو طال الزمان ، وكان المجلس الواحد جامعاً لهما ، فينقطع العقد ، ولا أثر لاتحاد المجلس ، لم يختلف فيه أئمة المذهب . وقد يُطلق الشافعيُّ لفظ المجلس في مثل ذلك ، ولا يعني به المجلس الذي يتعلق به خيار المجلس ؛ فإن ذلك المجلس وإن طال ، امتد الخيار بامتداده ، فمن أطلق المجلس [ عَنَى ] ( 5 ) المجلسَ القصير الذي يليق بمجلس المخاطب على ما سبق تفصيله . ولو وُجد الإيجابُ ، ففارق المخاطَبُ

--> ( 1 ) في الأصل : برأيه . ( 2 ) في الأصل : مشاهد . ( 3 ) في الأصل : الرّد . ( 4 ) في الأصل : لا يزل . ( 5 ) في الأصل : على .