عبد الملك الجويني

192

نهاية المطلب في دراية المذهب

ذكرناه ، ولا ينتهي الأمر إلى التحريم عند كثير من أصحابنا . وكان شيخي يُلحق هذا بالمحظورات ، ويُلزم الخروج من البيت ، والأصح الاقتصار على الكراهية . فصل وقال في نثر السكر واللوز والجوز في العرس : " لو تُرك ، كان أحبَّ إليَّ . . . إلى آخره " ( 1 ) . 8562 - أراد الشافعي كراهةَ الالتقاط ؛ لأنه أُخذ بخُلسةٍ ونُهبة ، وفيه خروج عن المروءة ، وربما يخطِر للناثر أن يُؤْثر بعض الملتقطين . ولا يبعد أن يحمل ما ذكره الأصحاب على النثر أيضاً ؛ فإنه سببُ الحَمل على الالتقاط . وعندي أن الأمر في ذلك لا ينتهي إلى الكراهة . ومن لم يكن ذا حظ من الأصول قد لا يفصل بين نفي الاستحباب وإثبات الكراهية ، وليس كذلك ، ولفظ الشافعي مشعر [ بالتهيب ] ( 2 ) وحط الأمر عن رتبة الكراهية ؛ فإنه قال : " لو تُرك كان أحبَّ إليّ " . ثم قد ينتهي الأمر في هذا إلى الإباحة إذا كان الناثر لا يؤثر أحداً ، وكان المتطلعون عنده بمثابةٍ . وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حضر إملاكاً فقال : أين أطباقكم ، فأُتي بأطباق عليها جوز ولوز وتمر فنُثرت . قال جابر بن عبد الله راوي الحديث : فقبضنا أيدينا ، فقال صلى الله عليه وسلم : " ما لكم لا تأخذون . قلنا : لأنك نهيتنا عن النُّهبى ، فقال : إنما نهيتكم عن نهبى العساكر ، خذوا على اسم الله ، فجاذَبَنا وجاذبناه " ( 3 ) . فثبت الأصل بالخبر الصحيح .

--> ( 1 ) ر . المختصر : 4 / 40 . ( 2 ) كذا قرأناها على ضوء حروفها التي تداخلت بعضها في بعض ، فصارت تقرأ : " بالتحفيذ " أيضاً . ( 3 ) الحديث عن النثر رواه البيهقي عن معاذ بن جبل ، وقال عنه الحافظ : " في إسناده ضعف وانقطاع . ورواه الطبراني في الأوسط من حديث عائشة عن معاذ نحوه ، وأورده ابن الجوزي =