عبد الملك الجويني
191
نهاية المطلب في دراية المذهب
منه وينصرف ، فعل مراراً ، ثم قال صلى الله عليه ومسلم : حُطِّيها ، واتخذي منها نمارق " ( 1 ) . ففهم العلماء من ذلك أن المحظور صور الحيوانات ، فأما تشكيل الأشجار فلا بأس به . ولو صور المصور حيواناً إلا وجهه ، ففيه تردد : فمن أصحابنا من جوز ذلك ، وجعل ما عدا الوجه خطوطاً وتشكيلاً كالأشجار . ومنع مانعون ذلك ، فإنَّ سائر أعضاء الحيوان يُشعر بالحياة إشعار الوجه . ثم فيما رويناه ما يدل على الفرق بين الصور المرفوعة وبين المحطوطة التي توطأ على الفرش والنمارق ، ولعل السبب فيها أنها إذا كانت مرفوعة ، ضاهت الأصنام ، وإذا كانت موطوءةً مفترشة تحت الأقدام ، فليست كذلك ، وأيضاً ، فإنها إذا كانت مرفوعة كانت مُهيّأةً للنظر إليها ، والمخادّ الكبار التي لا تتوسدُ ، وإنما تهيأُ مرتفعةً شاخصة في معنى الستور . ولبس الثياب المصورة كان يمنعه شيخي ، ولعله أولى بالمنع من رفع الصور على الستور المعلّقة ، وكان يقول : استعمال الثياب المصورة لا يحرم ، فإنها تصلح للفرش ، كما يتأتى تعليقها ولبسها ، وإذا كان لها وجه في الاستعمال ، حمل الاستعمال عليه ، وعندي أن الذي يتعاطى التصوير هو الآثم بكل حال ، وفي المسألة احتمال . وإذا صادف الناهي عن المنكر سترةً معلقة وصورة ، لم يفسدها ، بل حفظها لتفرش . ثم في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة " ( 2 ) ، فيكره على موجَب الحديث دخولُ بيت فيه صورة ممنوعة ، كما
--> ( 1 ) حديث عائشة . رواه البخاري بأتمّ مما جاء به الإمام : كتاب اللباس ، باب ما وطئ من التصاوير ، ح 5954 ، 5955 ، ورواه النسائي : كتاب الزينة ، باب التصاوير ، ح 5356 ، 5357 . ( 2 ) حديث " لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة " رواه مسلم : كتاب اللباس والزينة ، باب تحريم صورة الحيوان ، ح 2112 . ( وانظر تلخيص الحبير : 3 / 399 ، 400 ح 1696 ) .