عبد الملك الجويني

11

نهاية المطلب في دراية المذهب

جائزة فيه كما تجوز في الحج . فاعلموا ترشُدوا . ووراء ذلك أمر سننبّه عليه في أثناء الكلام ، إن شاء الله تعالى . هذا قولنا في العبادات البدنية المفتقرة إلى النيات . ومما نذكره في الأقسام التي نحاولها : أنَّ الأعمال التي لا تقع قربة ، ولكنها تتعلق بأمور في المعايش ، ومطرد العادات ، فما لا يجوز منه فلا يجوز الاستئجار عليه ، وما يجوز ولا ينهى عنه ، فيجوز الاستئجار عليه ، بحسب أن يكون معلوماً على ما يليق به ، ويشترط أن يكون له وقع في النفع والدفع ، حتى لو قل قدرُه ، وكان لا يقع مثله في إثارة نفعٍ أو دفعٍ موقعاً ؛ فلا يجوز الاستئجار عليه . وهو في [ جنسه ] ( 1 ) بمثابة الحبة من الحنطة في الأعيان . ومما نشترطه أن يكون النفع من العمل راجعاً إلى المستأجِر ، فلو كان يرجع النفع إلى الأجير ، فالإجارة فاسدة ، وذلك مثل أن يقول : استأجرت دابتك لتركبها أنت ولا تترجل ، فهذا فاسد ، فإذا كان العمل مباحاً معلوماً متقوماً عرفاً ، وكان نفعه يرجع إلى المستأجِر فيصح الاستئجار ، ومن جملة ذلك : الحمل والنقل وأعمال المحترفين ، وما في معناها ، وهذا بيان ما لا يقع قربة . 8358 - وأما ما يقع قربةً وإن لم نشترط فيه النية ، فمنها ما يقع فرضاً على الكفاية ، ومنها ما يكون شعاراً في الدين ، ولا يقع فرضاً ، فأما ما يقع فرضاً ، فإنه ينقسم في نفسه ، فمنه ما يخاطَب به المرءُ في ذاته إن اقتدر عليه ، وإن عجز عنه ، وجب على الغير كفايته ، ومنه ما لا يخاطب به المرء على الخصوص في نفسه لغرضٍ يخصه . فأمَّا القسم الأول ، فمنه حفر القبور ، ودفن الموتى ، وحمل الجنائز ، فهذه الأشياء مما يجوز الاستئجار عليها ، والسبب فيه أنَّ من مات فتجهيزه من المؤن الواجبة المختصة بتركته ، وهو مما يثبت في وضع الشرع على نعت الخصوص ، فإن عجز من خصّه الشرع ابتداءً ، فعلى الناس كفايته . وحَمْلُ الجنازة وما في معناه مما ذكرناه ينزل منزلة شراء الكفن ، والتكفينُ من فرض الكفايات ، وكذلك يجب على الإنسان أن ينفق

--> ( 1 ) في الأصل : حب .