عبد الملك الجويني
84
نهاية المطلب في دراية المذهب
ومن جرح خطأ ، ثم عاد فجرح عمداً ، وسرت الجراحتان ، فلا قصاص ، ثم جعلت الأفعال عندنا كالفعل الواحد ، فليكن الأمر كذلك من طائفةٍ متواطئين . هذا منتهى الغرض في ذلك . ثم إن أوجبنا القصاص عند التواطؤ ، فيصير كل واحد منهم في حكم العامد في القتل بسبب الشركة ، وإن لم يوجد منهم ما هو عمد - في القتل - محضٌ ، وهذا بمثابة إيجابنا القصاص على الجارحين جميعاً ، وتقديرِنا كلَّ واحد منهما قاتلاً ، مع القطع بأنه ليس ينفرد بالقتل . 10331 - ثم إن لم نوجب القصاص ، فنوجب الضمان لا محالة ، وربما يكون فعل كل واحد منهم بحيث لا يتعلق به لو انفرد قصاص ولا ضمانٌ أصلاً ، ولكن إذا اجتمعت ، حصل الإهلاك بالكل ، فيصير الفعل بسبب المشاركة مضمِّناً ، وإن كان لو انفرد ، لم يتعلق به حكم أصلاً ، فإذا اشتركوا بالجراحات ، فيصير كل واحد كالمنفرد بالقتل ، وإن لم يكن كذلك . فإن أوجبنا القصاص على المشتركين ، فيصير كل واحد منهم بسبب الشركة عامداً ، وإن كان فعله لا يصلح للعمد لو انفرد ، وإن لم نوجب القصاص ، فنوجب الضمان ، ونجعل فعلَ كل واحد منهم مؤثراً ، وإن لم يكن مؤثرأ أصلاً لو فرض انفراده . فهذه مراتب تأثير الشركة . 10332 - ومما يتعلق بتمام البيان في ذلك أن قائلاً لو قال : إن كنتم تتماروْن في الأوّلين ( 1 ) ، فالذي يضرب [ آخراً ] ( 2 ) مثلاً يصادف ضرْبُه مَنْ ضَعُفَ بالضربات الأولى ، فيكون هذا الضربُ في هذا المحل مما يُعمَدُ به القتلُ غالباً . قلنا : وإن كان كذلك ، فالضربات الأولى خطأ أو شبه عمد ، والمتأخر ، وإن وقع فعله بضعيفٍ ، فقد شاركه من وقع فعله شبهَ عمد .
--> ( 1 ) أي الأولين من الذين اشتركوا في الضرب بالسياط ، أي الذين ضربوا أولاً ، وهو في تمام عافيته ، فلا خطر في ضربهم . ( 2 ) في الأصل : " أحداً " .