عبد الملك الجويني
64
نهاية المطلب في دراية المذهب
بالظواهر ، وتركوا الغوص على الأسرار ، فإن الفرق بين الصحراء والمضيق مما [ مهّدته ] ( 1 ) من عدم ضراوة السباع وحَمْل ثورانها في المضيق على الدفاع عن أنفسها ، وإلا فكيف الخلاص من وثبات الفهود التي تدرك الظباء في لحظات مختلَسة ، فلهذا لم أعتمد الفرار ، وأخرجته عن السباحة ، فإن من ذكر الفرار لم يخرجه عن ثبتٍ فأعتمدَه . 10309 - فهذا أقصى ما في الوسع من إيضاح المشكلات ، وتنزيل المسائل على مقتضى القواعد . وينبغي أن تشتد عناية الطالب بمعرفة العَمْدية ، فإن معظم مسائل القصاص عليها تدور ، ونحن بتوفيق الله تعالى نأتي ( 2 ) بقواعد الكلام ، ونبهنا على تغشّيها من اللبس ، في رَمْزٍ من الفقه فيه وتولّعٍ بَنَوْه بالتشجيعات ( 3 ) والترصيعات التي مجّتها الأسماع ويأباها طلبة المعاني . 10310 - ومما نذكر متصلاً به ، أنه لو أغرى سبعاً بإنسان في [ متسع ] ( 4 ) ، حيث نحكم بأن القصاص لا يجب ، فلو فرض توثب السبع على ذلك الإنسان وقتله ، ودرأنا القصاص ، فهل تجب الدية أم لا ؟ فهذا فيه تأمل ونظر ، من جهة أن السبع إذا لم يكن ضارياً بطبعه ، فلا أثر للإغراء فيه ، وإنما يتوثب وفاقاً ، ثم لا يسند فعله إلى المغري ، والدليل عليه أنه لو أغرى كلباً غير معلّم بصيد ، فاتفق أنه انطلق إليه وقتله ، فهو ميتة ، ويكون كما لو انطلق بنفسه من غير إغراء ؛ فإن اختيار الحيوان له حكم إذا لم يكن معلّماً . والأصحاب بنَوْا أمرهم في نفس القصاص على إمكان الفرار في الصحراء ، وإذا كان كذلك ، فقد تُفرض دهشة من ذلك الإنسان ، كما فرضناه في ترك السباحة ، حيث تفرض النجاة بالسباحة ، ثم ميل الأصحاب إلى وجوب الضمان ، كما قدمنا ذكره . والوجه عندنا في ذلك أن نقول : إن كان السبع مطلقاً ، ولم يوجد من الساعي إلا
--> ( 1 ) في الأصل : " مهر به " . ( 2 ) نأتي بقواعد الكلام : الفعل هنا بمعنى الماضي ( أتينا ) فهذا دأبنا وعادتنا . ( 3 ) كذا . ولعلها بالتوشيحات . ( 4 ) في الأصل : " مسبع " . وهو تصحيف واضح .