عبد الملك الجويني
633
نهاية المطلب في دراية المذهب
ومن نصر ما عليه الجمهور - وهو ظاهر النص - احتج بأن قال : من جنى على عبد قيمته بالسوق يوم الجناية مائة ، فمات من تلك الجناية ، وقد تراجعت قيم العبيد ، ولو فرضناه سليماً يوم الموت ، لكان لا يساوي إلا خمسين ، فالواجب على الجاني مائة ، وسبب ذلك أنا نغرِّم الغاصب أقصى قيمةً من يوم الغصب إلى يوم التلف ، لمكان يده العادية ، واتصال الجناية في هذا المعنى أقوى من اتصال اليد ، فإن اليد ليست [ سبب ] ( 1 ) الهلاك ، والجناية سبب الهلاك . وإذا ثبت ذلك في العبد ، فليكن حكمُ الجنين المنسوب إلى الأم مُجرىً على هذا القياس . وهذا القائل يفصل بين ما يفرض من التفاوت في القيمة وبين ما يطرى من الجناية أو الإسلام على الجنين ، ويقول : إذا عَتَق الجنين ، فقد [ كمُل ] ( 2 ) بنفسه واختص بصفة لا توصف الأم بها ، فنقطع حقيقة التبعية ، ويجب اعتبار الحرية يوم الإلقاء ، وهذا لا يتحقق في الجنين المملوك . وما أطلقه الأصحاب في هذه المسألة لا يغني ولا يَشفي الغليل ، ونحن نوضح حقيقة المسلكين ، ونستعين بالله . 10871 - أما من اعتبر يوم الجناية ، فيعارضه سؤال ، وفي الجواب عنه بيان حقيقة المسألة ؛ وذلك أن قائلاً لو قال : إذا كنا نجعله بالجناية [ كصاحب ] ( 3 ) العدوان باليد ، فلا معنى لتخصيص يوم الجناية ؛ فإنا لا نخصص في حق الغاصب يوم الجناية بالذكر والحكم ، بل نعتبر الأقصى من يوم الغصب إلى يوم التلف ، والجواب : أن الأمر كذلك في الجراحة ، ولم يقصد الشافعي بذكر يوم الجناية قَطْعَ الاعتبار عما بعده ، فلا نظن يتحقق إسقاط اعتبار قيمته يوم الوضع إذا كانت تلك القيمة أكثر من قيمة يوم الجناية ، وغرض الشافعي بذكر يوم الجناية بيان ابتداء وقت الاعتبار ، فمبتدؤه من وقت الجناية ومنتهاه يوم الإلقاء ، والمعتبر أعلى قيمة من يوم الجناية إلى يوم الإلقاء . هذا بيان هذا المذهب .
--> ( 1 ) زيادة من المحقق . ( 2 ) في الأصل : " تأمل " . ( 3 ) في الأصل : " لصاحب " .