عبد الملك الجويني
559
نهاية المطلب في دراية المذهب
البئر محتفرة في مضيق ، ويمكن الازورار عنها ، مع دخول الملك ، فإن لم يكن الازورار ممكناً مع الدخول ، ولا يتم الغرض في هذا التصوير إلا بفرض تغطية [ البئر ؛ كي ] ( 1 ) لا يرى رسمَها الطارق ، أو تقدير الدعاء في ظلمة ، فإن كان كذلك ، فهو بمثابة [ تقديم ] ( 2 ) الطعام المسموم [ إلى الضيف ] ( 3 ) وقد مضى القول فيه مفصلاً . ومن أصحابنا من جعل الصورة التي ذكرها الآن أولى بوجوب الضمان [ من ] ( 4 ) تناول الطعام المسموم ؛ فإن التناول والازدراد تعاطٍ بفعلِ المتلف ، بخلاف الطروق ، فإن التردي يقع لا عن اعتمادٍ ( 5 ) إليه . ولو كانت البئر مائلةً وأمكن تقدير الازورار عنها ، فإذا فرض من المالك الدعاء إلى دخول الملك ، فدخلها المدعو وتردّى ، فللأصحاب طريقان : منهم من قطع بانتفاء الضمان ؛ فإن أصل الاحتفار لم يكن مستنداً إلى عدوان ، وكان حق الداخل أن يتحفظ أو يتصوّن في أحواله ، وهذا هو المسلك الأصح . ومنهم من جعل في الضمان قولين على الترتيب الذي سيأتي في البئر المحتفرة في الطريق الواسعة إذا تردى فيها المتردي . وتمام البيان في ذلك أن البئر إذا غُطِّي رأسُها ، ثم فرض الدعاء إلى التردد ( 6 ) ، فالضمان في هذه الصورة قريب ، والأوضح إيجابه ؛ لأنه يناسب تقديم الطعام المسموم ، فلئن كان يفرض من الداخل ميل وانحراف عن منهج السير ، فتقرر على الوفاق ( 7 ) تخطي البئر ، فالحالة على الجملة حالة إلباس . ولو قدم الرجل أطعمة إلى إنسان ، وفي بعضها سم ، وكان من الممكن ألا يتعاطى المسموم ، ويكتفي بغيره ، فإذا تعاطاه ، فأمْر الضمان مرتب على ما إذا قدم إليه طعاماً مسموماً متّحداً ، والصورة
--> ( 1 ) في الأصل : " التردي " . ( 2 ) في الأصل : " تقرع " . ( 3 ) في الأصل : " إذا لضعيف " . ( 4 ) في الأصل : " في " . ( 5 ) اعتمادٍ : أي قصدٍ . ( 6 ) أي إلى الدخول . ( 7 ) أي حدث وفاقاً ، والمعنى أن احتمال الضمان قائم .