عبد الملك الجويني

53

نهاية المطلب في دراية المذهب

فيجب القصاص ، وأما الضمان ، فإنه يجب [ إن لم يكن السبب مهلكاًَ ] ( 1 ) أو لم يكن الملقي عالماً بالسبب المهلك . وعلى الناظر أن يتدبر هذا ، ويلتفتَ قليلاً إلى ما ذكرناه في فصول الجراح ، حيث قلنا : إن من قطع أنملة إنسان ، فأدت السراية إلى الموت ، وجب القصاص على القاطع وإن لم يقصد القتل ، كما أن الملقي لم يقصد الإلقاء على السكين ، ولكن حصل أثر السكين بسبب الإلقاء ، فهلا كان كما إذا حصلت السراية بالقطع حتى كأنها جزء من القطع والقطعُ جزء منها ، وليس [ القتلُ ] ( 2 ) إلا بالسيف أو بالسكين متصلاً بسبب القطع ؛ قلنا : الفرق أن السراية متصلة بالإلقاء ، ولكنه وفاقٌ جرى ، فانفصل عن الإلقاء ، فإذا لم يكن معلوماً ، لم يجب القصاص ، وإن قصد الإلقاءَ على السكين ، [ فالإلقاء مخرَج ] ( 3 ) من البين ، والعمل مقصور على جرحه بالسكين . ونقل المعلّقون عن القاضي أنه قال فيما يقتل : إن [ التقمه الحوت قبلَ أَنْ أصاب الماء ، ] ( 4 ) كان أخرج رأسَه من الماء ، فلا يجب القود على الملقي ، بخلاف ما لو مس الماء ، فالتقمه الحوت ، وقرر أنه إذا مس الماءَ ، فقد صادف السببَ المهلك ، فلا التفات على الالتقام إلا على قول الربيع إذا اختطفه الحوت قبل أن يلقى الماء ، فلم يحصل من السبب الذي قصده شيء ، وإنما جرى سبب آخر ، وهذا حكاه القاضي عن الأصحاب ، ولم أر لهذا التفصيل ذكراً في شيء من الكتب . والوجه عندنا القطع بوجوب القصاص ، أو تنزيل هذا منزلة ما لو [ لقي ] ( 5 ) الماءَ ثم التقمه الحوت ، وذلك أن الملقَى لم يبق منه اختيار أصلاً ، ولا أثر لمصادفة الماء ، فإن الماء بنعُومته ولينه لا يقتل من يصادمه ، وإنما القتل بالغرق ، أو بسبب آخر بعد

--> ( 1 ) في الأصل : " فإنه يجب وإن لم يكن السبب مهلكاً " . ( 2 ) زيادة من المحقق . ( 3 ) في الأصل : " بالإلقاء فخرج " . ( 4 ) عبارة الأصل : " إن أصاب الماء التقمه الحوت كأن أخرج رأسه . . . إلخ " . وواضح ما فيها من خلل ، فهو يصوّر التقام الحوت قبل الوصول إلى الماء . ولذا ساغ لنا هذا التغيير . ( 5 ) في الأصل : " ألقى " .