عبد الملك الجويني
514
نهاية المطلب في دراية المذهب
والضريب مضروب على الغنيّ والمتوسط ، وقد استعمل الأصحاب هذه الألفاظ ، وأطلقوها : [ أما الفقر فأقرب مُدرك له الفحصُ عن مقدار المضروب ، فنعتبر الغنى عنه ، ونعتبر الاحتياج إليه ] ( 1 ) ، فأما الغنى والتوسط ، فلفظان مطلقان لم يتعرض [ لبيانهما ] ( 2 ) أحد ، ولا يمكننا أن نقول : الغني من تجاوز حد الفقر ، فيسقط المتوسط من الوسط ، وإن رددنا المتوسط والغني إلى أسماء النِّسب حتى نقول : هؤلاء متوسطون بالإضافة إلى من فوقهم ، فهذا وإن كان تَحْويماً على المقصود ، فليس فيه شفاء ، وليس الغنى والتوسط من الألفاظ التوقيفية حتى نسلك فيها طريق الاتباع ، فما الوجه ؛ وكيف السبيل ؟ أما الفقير ، فلا يمكن وصفه بالذي يستحق سهمَ المساكين ، فإذا أخرجنا [ المعتمِل ] ( 3 ) من التحمل مع العلم بأن المكتسب الذي يرد كسبُه عليه بُلغتَه وحاجتَه لا يأخذ من سهم الفقراء والمساكين شيئاً ، ولا يُضرب عليه من العقل شيء ؛ إذ يبعد أن يكلف أن يكتسب ويؤدي أرش جناية غيره ، والتحملُ موضوع على فضلات أموال العاقلة ، لا على طاقتهم واستمكانهم من تحصيله ، هذا أصل الشافعي رضي الله عنه ، والفِطرة لا تجب على [ الكسوب ] ( 4 ) عن نفسه ، ثم عمن يفرض التحمل عنه ، فكيف نقدّر الضربَ على من لا يملك ويقدر على الكسب ، وإن قلنا : الفقير الذي لا مال له ، اعترض علينا النظر فيمن يملك مسكناً وخادماً ، وانتشرت أطراف الكلام في الأمور التي قدرناها في الكفارات المرتبة . فالوجه أن نقول : ما تتحمله العاقلة ، فسبيله المواساة ، وهذا الضرب يجب أن يكون واقعاً وراء حاجةِ تحمّل المُواسي ، ويجب ألا يكون لما يقدّر له أرش أثر وموقع في الباذل ، ويخرج من هذا الأصل [ أنا ] ( 5 ) لا نكلفه أن يبيع شيئاً من مسكنه الذي
--> ( 1 ) عبارة الأصل لم يتيسر لنا إقامتها ، فقد جاءت هكذا : " والفقر من دركه على ما فيه من عاقلة في مقصودها " والمثبت في جملته من كلام الغزالي في البسيط : 5 / ورقة : 82 يمين ) . ( 2 ) في الأصل كلمة كير مقروءة رسمت هكذا : ( اسا - هما ) بدون نقط . ( 3 ) في الأصل : " المعتمد " . ( 4 ) في الأصل : " السكوت " . ( 5 ) في الأصل : " أن " .