عبد الملك الجويني

515

نهاية المطلب في دراية المذهب

يؤويه وأهله ، ويجب أيضاً ألا نكلفه أن يبيع من عبده الذي تمس حاجته إلى خدمته ، كما قدمنا ذلك في الكفارات المرتبة ، وبيان الانتقال فيها من الأصل إلى البدل ، والأصل المرعيّ ما ذكرناه من رعاية المواساة من غير أن تكون مجحفة . وهذا هو الذي فهمه الأولون من العلماء الذين قربت أعصارهم ، حتى حملهم على ما نصفه في مقدار ما يحمل كل واحد من العواقل ، فقالوا : على [ الغني ] ( 1 ) في آخر كل سنة نصفُ دينار ، ولا مزيد ، وعلى المتوسط ربعُ دينار ، ولا نعرف في ذلك أثراً [ ثابتاً ] ( 2 ) ولا خبراً ، ولكنهم علموا على الجملة المعنى الذي أشرنا إليه من رعاية المواساة ، واستبانوا أنها لا تليق إلا بفضلات الأموال التي لا يحيف بها هذا المقدار . 10764 - وأنا أقول الآن والله المستعان : لست أعرف ضبطاً من جهة التوقيف - لفظاً ولا معنىً - يشير إلى بيان [ الغِنى ] ( 3 ) أو إلى تقريب قول فيه ؛ فإن الغنى والتوسط من أسماء النِّسب ، وهي لا [ تنحصر ] ( 4 ) ولا تنقصر ، فالرجل ذو الثروة الضخمة بالإضافة إلى من فوقه قد يكون متوسطاً ، وهو بالإضافة إلى من تحته غنيّ . فأقصى ما يتخيله الإنسان في ذلك على الجملة أمور نشير إليها ، ثم أذكر ما يتعلق بمقتضى العقل في ذلك ، فأقول : قد يخطر للناظر أن المتوسط هو الذي يقع في الدرجة العامة والطبقة العليا من طبقات المتصرفين في البلاع الذي يرقيهم عن رتبة الفقر ، والغنيّ هو الذي يقع في رتبة الاختصاص ، ويعدّ من [ الأفراد ] ( 5 ) ، فيقع المحتاجون طرفاً ، والمخصوصون [ يقعون طرفاً إذا قرّبنا القول فيه ] ( 6 ) ، والغنيّ من أشرنا إليه . هذا وجهٌ ، وهو بعيد لا سبيل إلى اعتقاده ؛ فإن ضرب العقل إنما هو في التحقيق

--> ( 1 ) في الأصل : " القرب " . ( 2 ) غير مقروءة في الأصل . ( 3 ) في الأصل : " الفن " . ( 4 ) في الأصل : " شخصين " . ( 5 ) في الأصل : " الإقرار " . ومعنى الأفراد : أي الآحاد المعدودين المرموقين . ( 6 ) في الأصل : " الواقعون إذا إذ قربنا القول فيه " .