عبد الملك الجويني
480
نهاية المطلب في دراية المذهب
وقد يختلج في نفس الفقيه من هذا شيء ، سيما إذا كان القوم محصورين في موضع ، وقد سدد الجاني عليهم ، وكان على علم بأنه لو أراد ، لأتى على جميعهم واحداً واحداً ، فقصد ذلك واعتمده ، وأتى عليهم ، وحقق قصده فيهم ، فإذا تُصورت المسألة بهذه الصورة ، فالذي أراه وجوبَ القصاص على الرامي . وإنما [ يستدّ ] ( 1 ) ما قدمته لو قصد أن يصيب واحداً منهم لا بعينه ، أو عدداً مخصوصاً منهم ، فإذ ذاك يتجه ما ذكره الأصحاب . وعلى هذا أقول : لو أكره رجل رجلاً على أن يقتل جماعة ، وأخبره أنه إن بقَّى واحداً منهم ، قتله ، فإذا قتلهم وحقق ما استدعاه المكرِه ، فالقصاص يجب على المكرِه ، وإن كان المكرَه في كل قتل يُقدم عليه غيرَ محمول في عينه على القتل ، من جهة أنه كان يُقدم على من يريد منهم إلى الاستيعاب والإتيان عليهم أجمعين . 10728 - ومما يتعلق بما نحن فيه أن عشرة لو اجتمعوا على حذف المنجنيق ورَمْي الحجر بالآلة العتيدة ( 2 ) للرمي ، فرجع الحجر على الجانقين ( 3 ) وقَتَلهم ، وقد اشتركوا في الرمي ، فصار انقلاب الحجر عليهم مُحالاً على أفعالهم ، فقياس الباب في ذلك أن نهدر [ من ] ( 4 ) دية كل واحد منهم [ عُشرها ] ( 5 ) [ ويبقى ] ( 6 ) تسعةُ أعشار دية كل واحد من الجانقين على عواقل أصحابه ، ولو رجع ذلك الحجر على واحد منهم وقتله ، فَهدَرَ ( 7 ) عُشرُ ديته بمشاركته إياهم في الرمي ، [ وبقي ] ( 8 ) تسعة أعشار ديةٍ على عواقل الباقين وهذا بيّن لا غموض فيه .
--> ( 1 ) في الأصل : " يستمر " . ( 2 ) " العتيدة " : أي المعدّة المهيأة المتخذة للرمي . ( 3 ) الجانقين : رماة المنجنيق . ( 4 ) في الأصل : " عن " . ( 5 ) زيادة اقتضاها السياق . ( 6 ) في الأصل : " وينقص " . ( 7 ) فَهَدَرَ : أي بطل ، كما مر من قبل . ( 8 ) في الأصل : " ونقص " .