عبد الملك الجويني

350

نهاية المطلب في دراية المذهب

مقدار النقصان ما قدمناه في السمع ، فلا نعيده . والجناية على عين الأحول والأخفش ( 1 ) إذا أزالت البصرَ ، توجب الدية الكاملة ، وإن لم تُزل إلا بصراً ضعيفاً ، وهو بمثابة ما لو جنى على يد ضعيفٍ في البطش ، فأشلها ، فإنه يلتزم ما يلتزمه بإشلال اليد الأيّدة التامة القوة ، وسأعقد في بيان هذا وأمثاله فصلاً ، إن شاء الله . 10604 - ثم ذكر الشافعي أن الجاني إن أنكر بصر المجني عليه قبل الجناية ، فكيف الوجه ؟ وهذا أمرٌ تقدّم ذكره ، وغرضه بإعادته أن المجني عليه إذا أقام شاهدين على أنه كان بصيراً قبلُ ، ثبت المقصود . والشاهد يَعتمِد في الشهادة على البصر ما ذكرناه في طريق الامتحان ، [ ويستبين ] ( 2 ) بصرَ البصير بقرائن الأحوال على الضرورة ، ثم ينبغي أن يجزم الشهادةَ في مجلس الحكم ، وله أن [ يجزمها ] ( 3 ) إذا وثق بالمخايل التي ذكرناها ، ولو أنه لم يجزم الشهادة وذكر الأحوال التي ابتنى عليها علمُه بالبصر ، فالقاضي لا يقضي به . فإن قيل : إذا كان له أن يشهد تعويلاً على ما ذكر ، ولا معوّل له في تحمل الشهادة غيرُه ، [ فلم لم ] ( 4 ) يعتمده القاضي ؟ قلنا : لا تحيط العادة بما يفيد العلم من قرائن الأحوال ، وهي تدق عن مدارك الأوصاف ، وإنما يحيط بها [ العِيان ] ( 5 ) ، والقاضي لا يحلّ محل الشاهد فيما استفاده من العلم بزعمه ، فليجزم الشهادة ، ثم ذكر الشافعي رضي الله عنه : أن الشهادة سبيل تحملها على منافع سائر الأعضاء تعويلاً على المخايل كما ذكرناه في البصر .

--> ( 1 ) الخَفَشُ صغر في العينين وضعف في البصر ، مصدرٌ من باب ( تعب ) والذكَر ( أخفش ) والأنثى ( خفشاء ) وهو خِلْقةٌ ، وصاحبه يبصر بالليل أكثر من النهار ، وفي الغيم دون الصحو ( المصباح ) . ( 2 ) في الأصل : " ويستعين " . ( 3 ) في الأصل : " يلزمها " . ( 4 ) في الأصل : " فلو لم " . ( 5 ) في الأصل : " العينان " .