عبد الملك الجويني

346

نهاية المطلب في دراية المذهب

10599 - ومن تمام الكلام فيه أن أهل البصيرة إذا قالوا : لطيفة السمع باقية في مقرها من الدماغ ، ولكن ارْتتق بالجناية داخل الأذن [ ارتتاقاً لا وصول ] ( 1 ) إلى زواله ، والسمعُ باق بحاله ، فهذا في حكم جنايةٍ على الأذن ، أو على داخلها ، وليس السمع حالاًّ في باطن الأذن ، فكيف السبيل إذا تصورت المسألة كذلك ؟ فنقول : سيأتي اختلاف الأصحاب في مسألة تناظر هذه : وهي أن المولود إذا كان ولد أصمّ ، فإنه لا ينطلق لسانه وإن كان صحيحاً ، وعلامةُ صحته وحركاتُه لا تخفى على ذوي البصائر ، ولكن الصبي إنما [ ينطق متلقياً ] ( 2 ) مما يسمعه ، فإذا لم يسمع لم ينطق ، ولو قطع اللسان منه ، ففي وجوب الدية فيه خلاف ، والأصح أنه لا يجب ؛ لأن المنفعة المعتبرة في اللسان النطق ، وهو مأيوسٌ منه . فهذا عضو صحيح تقاعدت منفعته لا لآفةٍ فيه ، فالْتحق بالعضو المأووف . فإذا ظهر هذا ، عُدنا إلى مسألتنا ، وقلنا : إذا لم يكن للسمع نفوذ ، فهو متعطل بالكلية ؛ فالوجه قطع القول بإيجاب الدية ، وليس يخرج هذا على الخلاف الذي أشرنا إليه في لسان الصبي الأصم ؛ فإن صحة لسانه معلومة أو مظنونة ظناً معتبراً في الشرع ، ولسنا نثق ببقاء السمع والسلامة ، فنبني الأمر على تقدير زوال السمع . 10600 - فقد انتظم في السمع أمور بديعة : منها أنه ليس حالاًّ في الأذنين ، وإنما هو لطيفة في مقرها من الرأس ، وارتتاق منافذ الأذنين يوجب دية السمع ، والمعاني التي لا تحلّ الأعضاء لا تضمن دياتها بالجناية على الأعضاء التي ليست محلاًّ لها ، ومن البدائع أن السمع ليس من المثاني وله حكم المثاني ، فإن الجناية التي تصمّ إحدى الأذنين موجبها نصف الدية ، ولا تعويل على ما كان تردد قوله ( 3 ) فيه ، ثم أوجبنا مع هذا كلِّه الديةَ في أذن الأصم ، فلا منفعة في الأذن تعقل إلا ردّ الصراخ إلى الصماخ ، وهذه الأشياء مجموعها يتخيلها الفطن خارجة عن القوانين ، والفقيه يتلقاها بالقبول ؛ فإنها جارية على القياس اللائق بالباب .

--> ( 1 ) في الأصل : " أرشا ولا وصول " . ( 2 ) في الأصل : " ينطلق متلفاً " . ( 3 ) يشير إلى ما كان من تردد شيخه الشيخ أبي محمد ، الذي ذكره آنفاً .