عبد الملك الجويني

253

نهاية المطلب في دراية المذهب

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

--> = واضح أنه جعل هذا الوجه احتمالاً ، وأن ميله ، بل اختياره هو الوجه الآخر - القائل بإجراء القصاص - يظهر ذلك من قوله : " إنه القياس " ، ومن تعليله وتوجيهه إياه ، هذا واضح تماماًَ من عبارة الإمام . ويؤكد هذا أن الغزالي - تلميذ الإمام - جرى على هذا الوجه القائل بإجراء القصاص ، وترك الوجه الآخر الذي جعله الإمام احتمالاً - قال ذلك في الوجيز ، ونص عبارته : " ولو كان أظفار المجني عليه متقرعة أو مخضرّة ، أو مقلوعة ، قُطع بها الصحيحةُ ؛ نظراً إلى كمال أرش الأنملة من غير ظفر " . ( ر . الوجيز : 2 / 132 ) ، أما في البسيط ، فقد قال : " قال العراقيون : لو كانت الأظفار مقلوعة لا تستوفى يدٌ ذات أظفار بها ، وهذا أيضاًَ فيه بُعد ؛ لأن الجمال أظهر في الأظفار من المنافع ، ويلزم عليه أن ينقص قدرٌ من دية الإصبع بفقد الظفر ، ولا قائل به " ( ر . البسيط : 5 / لوحة رقم 27 يمين ) فهذا كلام مبين في أن إجراء القصاص هو الوجه الأصح ، ( والآخر فيه بعد ) وهذا مأخوذ عن شيخه إمام الحرمين ، ويؤكد ما تنطق به عبارة الإمام التي بين أيدينا . قلت : نقل الإمام الرافعي عن إمامنا عكس هذا ، وهاك نص كلامه : " وأما التي لا أظفار لها ، فالذي ذكره أصحابنا العراقيون وغيرهم : أنه لا تقطع بها السليمة الأظفار ، وأنها تقطع بالسليمة . وكذلك حكاه الأمام عنهم منسوباً إلى النص ، وهو موافق للنص الذي حكيناه فيما إذا اختص رأس الشاج بالشعر على موضع الموضحة ، ( يريد النص بأنه إذا كان على رأس الموضِح شعر دون رأس المجني عليه فلا يمكن القصاص ؛ لما فيه من إتلاف الشعر الذي لم يتلفه ) ثم قال الرافعي : " قال الإمام على سبيل الاحتمال : القياس جريان القصاص ، وإن عدمت الأظفار ؛ لأنها زوائد ، ولو لم يجر القصاص ، لما تمت دية اليد ، ولا الإصبع الساقطة الظفر " ا . ه‍ ( الشرح الكبير : 10 / 228 ، 229 ) . فهذا نص الرافعي أمامنا ينطق ناسباً للإمام عكسَ ما هو واضح تمام الوضوح من عبارته حيث جعل ما قطع به احتمالاً ! ! وكان من الممكن أن ننسب هذا إلى خلل في نسخة كتاب الرافعي ، أو في قراءة من حققه وأخرجه ، ولكنا وجدنا الرافعي يزيد هذا تأكيداً ، لا يقبل الشك ، عندما عرّض بالغزالي قائلاً : " وجرى صاحب الكتاب ( أي الغزالي ) على ما أبداه الإمام احتمالاً ، وترك المنقول الظاهر " ( السابق نفسه ) والذي أبداه الإمام احتمالاً هو الوجه الآخر ، القائل بعدم جريان القصاص ، كما بيناه في صدر هذا التعليق . هذا . وقد قال البغوي بالوجه المحكي عن العراقيين ، من غير إشارة إلى الحكاية عنهم ، ولم يشر إلى خلاف إمام الحرمين ، واكتفى بالقول : " . . . وكذلك لو قطع يداً لا أظافير عليها ، لا تقطع يد القاطع الصحيحة " ( التهذيب : 7 / 109 ) وبمثله قال العِمراني ( ر . البيان : 11 / 383 ) . =