عبد الملك الجويني
214
نهاية المطلب في دراية المذهب
يد الجاني بيد المجني عليه ؛ فإن يد الجاني في وضع الشرع نصفُه ، وليست اليد الشلاء نصفاً من صاحبها ، فالرجوع إذاً إلى حكومة اليد الشلاء ، ولا قصاص . ولو رضي الجاني بأن تقطع يده السليمة باليد الشلاء ، لم يرض الشرع بها ، ولله تعالى حكمٌ في الدماء يعدُّه الفقيه حقّاً لله لازماً . فإن قيل : لو قطع المجني عليه اليد السليمة ، فهل تقولون : يقع القطع موقع القصاص ، مع الانتساب إلى المعصية ؟ قلنا : لا نقول ذلك أصلاً ، فاليد السليمة في مقابلة الشلاء بمثابة المسلم في مقابل الذمي والحرّ في مقابلة العبد ، ويمكن أن يقال : الشلاء في مقابلة الصحيحة كاليسار في مقابلة اليمين . ولو كانت يد الجاني كاملة الأصابع ، ويد المجني عليه ناقصة بإصبع ، فلا تقطع اليد الكاملة باليد الناقصة ، ولكن لو اتفق قطعها ، [ وقع ] ( 1 ) القصاص في مقدار الاستواء موقعه . فإن [ كان ] ( 2 ) يدُ الجاني شلاء ، ويد المجني عليه سليمة ، فلو قنع باليد الشلاء ، جاز ، ويقع القصاص موقعه ، اتفق الأصحاب عليه ، وهذا يُبطل التشبيهَ باليمين واليسار ، واليدَ السليمة مع الشلاء بالكامل بالإسلام والحرية مع الكافر والرقيق . ثم إن كان لا يقع قتل المسلم قصاصاً عن الكافر ، فقتل الكافر يقع قصاصاً عن المسلم ، وكذلك القول في الحر والعبد . ثم شرط الفقهاء في الاقتصاص من الشلاء ألا يُخاف من الشلاء نزفُ الدم ؛ فقد قيل : لو قطعت الشلاء ، استرخت العروق نضاحة بالدم إلى النزف ولا يتماسك ، فإن صح ذلك ، لم يَجْرِ الاقتصاص ، وإن لم يصح ورضي المجني عليه ، اقتصصنا ، ثم لو أراد الرجوع إلى مزيد مالٍ ، لم يكن له ذلك ، إذا كان التفاوت يرجع في اليدين إلى المعنى ، لا إلى نقصان الخلقة ، وشبه الأصحاب بأجمعهم هذا بتعييب العبد في يد البائع ، فليس للمشتري إذا جرى ذلك إلا ردُّ العبد واستردادُ الثمن [ أو ] ( 3 ) الرضا بالعيب بجميع الثمن .
--> ( 1 ) في الأصل : " وقطع " . ( 2 ) زيادة اقتضاها السياق . ( 3 ) في الأصل : " أما " .