عبد الملك الجويني
210
نهاية المطلب في دراية المذهب
والمصير إلى أنها لا تقع قصاصاً ، وتكون مضمونة على المقتص لا سبيل إلى القول به أصلاً . 10473 - وأنا أذكر الآن منشأَ تردد الأصحاب وأنبه إلى ما يظهر عندي فيه ، فأقول : إنما اختلف الأصحاب من نصٍّ نقله المزني عن الشافعي قال : قال الشافعي : " لو أوضح رأسه وتمعّط شعره ، وذهبت عيناه ، فأوضحنا رأس الجاني قصاصاً ، فإن لم ينبت شعره وذهبت عيناه ، فقد استوفى مستحق الحق حقَّه ، وإن نبت شعره ، ولم تذهب عيناه ، فعليه دية العينين وحكومة الشعر " ( 1 ) هذا نص الشافعي رضي الله عنه ، وهو دال ( 2 ) على أن القصاص لا يقع بالسراية ، وغلط المزني في ذكر الشعر ، ولم يصح نقله عن الشافعي في خبط سوى ما ذكرناه . وهذا محلٌّ يقضي الناظرُ [ فيه ] العجبَ [ من إطلاق الأصحاب ] ( 3 ) وترك التعرض للتفصيل ، والنصُّ الذي حكاه المزني في جراحة يتعلق القصاص بعينها ، وهي الموضِحة ، ومنها تصوير السريان إلى لطيفة البصر ، [ وميل ] ( 4 ) الأصحاب إلى إجراء القصاص فيها وجوباً ووقوعاً . نعم ، في النص تعرض لتمعّط الشعر ، وهذا موضع
--> ( 1 ) ر . المختصر : 5 / 118 . ( 2 ) وجه دلالته على أن القصاص لا يقع بالسراية أنه جعل في ذهاب العينين والشعر ، الدية للعينين ، والحكومة في الشعر ، ولم يجعل فيهما القصاص . هذا وقد مرّ آنفاً إشارة الإمام إلى قولٍ للشافعي في وجوب القصاص في ذهاب البصر بالسراية ، حيث قال : " فالمنصوص عليه للشافعي أن القصاص لا يجب فيما يسقط بالسراية ( أي من الأعضاء ) ونص على أن من أوضح رأس إنسان ، فأذهب ضوء بصره ، فإنا نوجب القصاص في لطيف البصر ، فإن زال ضوء بصره بمثل الجراحة التي صدرت من الجاني ، فذاك ، وإن لم يزل واستمكنا من إزالة البصر بطريقٍ ، لا نُفسد فيه الحدقة ، ونتركها قائمة أزلناه . هذا نص الشافعي " انتهى بنصه . ومثل هذا نقله الرافعي ( الشرح الكبير : 10 / 217 ) ( ثم نقل نص المختصر في صفحة : 219 ) فهما إذاً نصان للشافعي . وعن النص الأول كان ظاهر المذهب القطع بأن القصاص يجب بالسراية إلى لطيفة البصر ، والقطع أيضاً بأن القصاص لا يجب بالسراية في أجرام الأعضاء . ( 3 ) عبارة الأصل : من إطلاق العجب لأصحاب . ( 4 ) في الأصل : " وسبيل " .