عبد الملك الجويني

115

نهاية المطلب في دراية المذهب

فأما شرب الخمر ، فليس في هذه المرتبة ، فإن من اضطر في عطشٍ إلى شربٍ ، وجب شربها ، كما يجب تعاطي الميتة في شدة المخمصة . فإن قيل : أليس ظاهر المذهب أن التداوي بالخمر غيرُ جائز ؟ قلنا : لأن إصابة الشفاء غيرُ موثوق به . فإذا اكره الرجل على إتلاف مال غيره ، وكان يخاف على روحه ، فيجب عليه أن يُتلفه ، كما يجب عليه تعاطي طعامِ غيره في شدة المخمصة ، فهذا ما ذكرناه في ذلك . 10371 - ونحن الآن نبتدىء ذكرَ أحكام الإكراه على القتل ، ثم نذكر بعده ما يتصل به ، فإذا أكره رجل رجلاً على قتل إنسان ، وتحقق الإكراه ، كما وصفناه ، فقتله المُكرَه ، فقد اختلفت مذاهب العلماء : فذهب زُفَرُ وأبو يوسف ( 1 ) في روايةٍ إلى أن القصاص يجب على المكرَه دون المكرِه ، وهذا مذهبٌ معتضد بالفقه والقياس ؛ فإن المكرَه باشر القتلَ إثماً غيرَ معذور ، والمباشرةُ تغلب السبب ، وإذا كان الإكراه لا يسلط المكرَه ، ولا يدفع الإثم عنه ، ولا يرفع الحظر ، وقد تحققت المباشرة ، فالوجه إعدام أثر الإكراه بالكلية . واتفق الشافعي وأبو حنيفة على أن القود يجب على المكرِه ، وقال أبو حنيفة : لا قصاص على المكرَه أصلاً ، وفعله منقولٌ إلى المكرِه ، وهو حالٌّ محلَّ آلته وسيفه ، ووافق أنه يأثم بالقتل ، ويستمر الحظر عليه . واختلف قول الشافعي رضي الله عنه في ذلك ، فقال في أحد قوليه : يجب القصاص على المكرَه ، وحقيقة قولنا يجب القصاص عليهما ، تقديرهما شريكين ، فإن أحدهما ملجىء مستمسك بأقوى الأسباب المفضية إلى القتل غالباً ، والثاني مباشر آثم ، وتوجيه القولين مستقصًى في ( المسائل ) و ( الأساليب ) ( 2 ) . ثم إن قلنا يجب القصاص على المكرِه والمكرَه ، فهما شريكان .

--> ( 1 ) ر . مختصر الطحاوي : 409 ، بدائع الصنائع : 7 / 179 . ( 2 ) ( المسائل والأساليب ) هما كتابان في الخلاف لإمام الحرمين ، وقد سبق التعريف بهما مراراً .