عبد الملك الجويني
76
نهاية المطلب في دراية المذهب
قصدُ الإفهام بها ، فلا ريب حينئذ في أن الكتابة مع مخايل قصد الافهام كالإشارة لو أبلغ فيها . فهذا قولنا فيما لا يفتقر إلى القبول . 8996 - فأما ما يفتقر إلى القبول ، فينقسم إلى النكاح وغيرِه : فأما غير النكاح . كالبيع والإجارة والهبة وما في معناها ، نفرضها ( 1 ) مع الغَيْبة ، ثم نذكر حكمَها مع الحضور : فأما إذا جرت الكتابة بالبيع في الغيبة ، فمن ضرورة ذلك انقطاع كتابة من يبتدئ عن قبول من يَرِدُ الكتابُ عليه ، فيجتمع في ذلك إقامة الكتابة مقام اللفظ ، وفيه التردد الذي ذكرناه في الطلاق والعتاق وما في معناهما مما لا يشترط القبول فيه ، وتأخُّرُ ( 2 ) أحد شقي العقد عن الثاني ، وهذا لا يقتضي تأكيداً في المنع لا محالة ، فينتظم منه ترتيب القولين في البيع على القولين في الطلاق ، والبيعُ أولى بالمنع . فإن قيل : ما وجه الجواز ، وقد انفصل أحد الشقين عن الثاني ؟ قلنا : في ذلك وجهان : أحدهما - أن نجعل ورود الكتاب بمثابة افتتاح الإيجاب ، ويتبعه القبول على الاتصال . والوجه الثاني - أن القبول إنما يشترط اتصاله بالإيجاب لأن الموجِب أنشأ كلامه على وجه يقتضي جواباً متصلاً ، وإذا كتب الكاتب ، فكتابته تقتضي الموافقة على حسب ما يليق بالعرف في مثل ذلك ، وهذا حسن ، ولكن يلزم على مساقه أن يقال : إذا أوجب في الحضور إيجاباً مقترناً بجواز تأخّر القبول ، وجب تجويزه ، ولا صائر إلى هذا إلا أبو حنيفة ( 3 ) ، فإنه جعل مدّة المجلس وإن [ طالت فُسحةً ] ( 4 ) في ذلك ، ونحن لا نقول به ، فينضم إلى ما ذكرناه مسيسُ الحاجة في التكاتب ، وهذا لا يتحقق في التخاطب . ويتصل بذلك أنه إذا ورد الكتاب ، فهل يشترط اتصال القبول بالاطلاع على الكتاب أم لا ؟ الوجه القطع باشتراطه على المعنيين ؛ إذ لا حاجة بعد الاطلاع ، وقد جعلنا الاطلاع كإنشاء الإيجاب .
--> ( 1 ) جواب ( أما ) بدون الفاء . وهذا جارِ كثيراً في أسلوب الإمام ، وهي لغة كوفية . ( 2 ) وتأخرُ : معطوف على كلمة ( إقامة ) من قوله : فيجتمع في ذلك إقامة الكتابة . . . إلخ . ( 3 ) ر . المبسوط : 6 / 211 ، فتح القدير : 2 / 412 ، البدائع : 3 / 114 . ( 4 ) في الأصل : وإن طالب فسخه في ذلك .