عبد الملك الجويني
66
نهاية المطلب في دراية المذهب
8981 - فإذا تبين أن الكنايات لا تعمل بأنفسها ، فمذهب الشافعي أنها لا تعمل مع القرائن أيضاً من غير نيّة ، والرجوعُ في النية إلى الزوج ، فإذا سألت الطلاق ، فقال : " أنت بائن " ، وظهر من مخايله أنه قصد إسعافها ، فلا تعويل على ذلك عند الشافعي ، وإذا قال : لم أقصد الطلاق ، فالقول قوله مع يمينه ، وكذلك الكلام فيه إذا أجرى الزوج بعض هذه الألفاظ في حالة الغضب ، وقد ظهرت على مخايله التبرم بالمرأة ، ومحاولة الخلاص منها ، فالرجوع مع ذلك كلِّه إلى نيته . وخالف أبو حنيفة ( 1 ) على تفصيل له في الألفاظ ، فأعمل قرائن الأحوال ، وقرينة السؤّال . فإن قال قائل : قد ذكرتم في مأخذ الأصول ( 2 ) أن قرائن الأحوال تثير العلوم الضرورية ، فإذا اقترنت تلك القرائن بألفاظ الزوج ، فكيف ترون الرجوع إلى نيَّة الزوج ، وقد علمتم قصده بقرائن الحال ؟ قلنا : لا ينتهي الأمر في قرائن الأحوال في مأخذ الفقه إلى هذا المنتهى ، وهي متفاوتة جداً ، وليس من قواعد الفقه فتح أمثال هذه الأبواب ؛ فإن مُدركَ قرائن الأحوال في القصود عسرٌ جداً ، فحسمنا هذا الباب حسماً . وقد تُعتمد القرائن في تحمل الشهادات مع ابتناء أمرها على طلب التحقيق ، فالذي يشاهد صبياً يمتص ثدياً فيه لبنٌ قد يشهد على ارتضاعه ، ولا تعويل على القرائن فيما نحن فيه ، وسبب ذلك أن الصبي لا تردد فيه إذا كان يمتص ثدياً فيه لبن ، ومخاطِب زوجته لا ينتهي إلى منتهى يحكم على قصده قطعاً ، وقد يشهد بذلك اختياره كنايةً مع إمكان التلفظ الصريح . فهذا ما يجب التنبيه فيه . 8982 - ثم إذا بان أن النية لا بد منها ، فلو قدّم النيةَ ، ولما تلفظ ، لم يكن ناوياً مع اللفظ ، لم يقع شيء ؛ فإن النية منقطعة عن اللفظ ، واللفظُ متأخر عن النية ، ولو قدّم اللفظ ، ثم نوى ، فالجواب كذلك .
--> ( 1 ) ر . البدائع : 3 / 106 ، تبيين الحقائق : 2 / 215 . ( 2 ) ر . البرهان في أصول الفقه : 1 / فقرة : 503 .