عبد الملك الجويني
65
نهاية المطلب في دراية المذهب
استعمالها جرياناً ينحط عن الاستفاضة والحصر في معنى الطلاق ، وما ذكرناه من الألفاظ من الجليّات ومنها : الخلية ، والبريّة . والخفيةُ كقول القائل لامرأته : اعتدي ، واستبرئي رحمك ، والحقي بأهلك ، وحبلُكِ على غاربكِ ، ولا أَنْدَه سرْبَك ( 1 ) ، واغربي ، واذهبي ، وتجرّعي وتجردي ، وما في معناها ، مما يشتمل على تقديرٍ أو استعارةٍ . والتقدير في مثل قولك : اعتدّي : معناه طلقتُ ، فاعتدي ، والاستعارة في مثل قولك : تجرّعي ، أي معناه : تجرعي مرارة الفراق ، وكذلك حبلك على غاربك ، وما في معناه . وإذا ذكر لفظة ليس فيها إشعارٌ بمعنى الطلاق ، وزعم أنه نوى الطلاق ، لم يقع شيء ؛ لأن اللفظ غير مشعرٍ ، والنية المجردة لا تتضمن وقوع الطلاق ، وقد يتردد الأصحاب في بعض الألفاظ ، فإذا قال لها : كلي ، أو تنعمي ، فهذه الألفاظ لا إشعار فيها ، ولو قدّر مقدر فيها معنى الطلاق على بُعدٍ ، عُدَّ ذلك من التعقيد الذي لا يتعلق بأصناف البيانا ، ودرجاتِ الألفاظ المستعملة في المقاصد . ولو قال : اشربي ، فالظاهر أنه لا يقع الطلاق وإن نواه . ومن أصحابنا من قضى بوقوع الطلاق حملاً على تقدير : اشربي كأس الفراق ، وهذا بعيد . فهذا بيان مراتب الألفاظ في عقد الباب . ولو قال لامرأته : لستِ لي بزوجة ، فهذا إقرار صريح بنفي الزوجية ، كما سنفصله في فروع الطلاق . ولو قصد به إنشاء الطلاق ، فالمذهب أنه يقع ، لإشعار اللفظ بذلك . ومن أصحابنا من قال : لا يقع الطلاق ؛ فإن اللفظ صريح في الإقرار والإخبار ، وهذا ليس بشيء .
--> ( 1 ) في الأصل : ولا أندره سربك ، والتصويب من الشرح الكبير والروضة . ومعنى لا أنده سربك : أي لا أزجر إبلك ، من نده الرجل : صات ، ونده البعيرَ ونحوه : زجره وطرده عن أي شيء بالصياح ، وكان من طلاقهم من الجاهلية أن يقول الرجل : " اذهبي فلا أنده سربك " ( المعجم . وفي الزاهر : " لا أنده سربك ، أي لا أرعى إبلك ولا أردها عن مرعى تريده ، لأنك لست لي بزوج ، فاذهبي مع مالك حيث شئت " .