عبد الملك الجويني
64
نهاية المطلب في دراية المذهب
والقول الثاني - أنه لا يقع إلا واحدة . ولكل أصلٍ من هذه الأصول ضابطٌ سيأتي مشروحاً - إن شاء الله - وإنما ذكرنا هذا المقدارَ لغرضٍ ، فنقول : الطلاق لا يصرفه عن معناه إلا هازل ، أو منفردٌ بقصد إلغازٍ ، ولفظ التحريم قد يجرى استعماله مصروفاً عن قصد الطلاق ، فإذا أُطلق ، فهو شائع في قصد الطلاق ، فينقدح [ فيما ] ( 1 ) هذا سبيله أن يصدّق في الظاهر من زعم أنه نوى غير الطلاق . وإن قال : لم أنو شيئاً ، انقدح فيه الحمل على موجب الألفاظ . وانتظم من هذا أن ما استمرت الاستفاضة فيه كلفظ الطلاق ، فلا معدل عنه إلا على حكم التديين ، وما شاع شيوعاً بيّناً ، ولكن قد يعتاد بعض الناس استعماله على قصدٍ آخر ، فما كان كذلك ، وهو زائد على الألفاظ الثلاثة ، فهو محلّ تردد الأصحاب : فمنهم من لم يلحقه بالصرائح ، ولم يُعمل مطلَقه ، ومنهم من ألحقه بالصرائح ، وجعله كلفظ الطلاق . ومنهم من فصَّل بين أن يقصد غير الطلاق ، وبين أن يُطلقه ، كما حكيناه عن القفال رضي الله عنه ، ثم على رأيه إن صار لفظ التحريم في الشيوع كالطلاق ، التحق بالطلاق ، فهذا وجه في الصرائح . 8985 - فأمّا الكنايات فقد وصفناها ومن ضرورتها أن تكون مشعرة بمعنى الطلاق ، ولكن لا تكون شائعة على التفسير المقدم ، فما كان كذلك ، افتقر إلى النية ولغا مطلَقُه ، وهذا كالخليّة ( 2 ) ، والبرية ( 3 ) ، والبائنة ( 4 ) ، وما يشبهها وقد قسمها الأصحاب إلى الجلية وإلى الخفية ، فالجلية منها ما ظهر معناها ، وقد يجري
--> ( 1 ) في الأصل : فيها . ( 2 ) الخلية : أصلها مأخوذ من ناقة خليّة ، أي مطلقة بغير عقال ، ترعى حيث شاءت . ثم قيلت في طلاق المرأة ( المصباح ) وفي غريب ألفاظ الشافعي : معناها أنها خلت منه وخلا منها ، فهي فعيلة بمعنى فاعلة . ( فقرة : 717 ) من الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي . ( 3 ) البرية : مسهلة الهمزة : " أي برئت منه وبرىء منها " . قاله الأزهري ( ر . الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي : فقرة : 718 ) . ( 4 ) البائنة : الأفصح البائن ، وهي من بان الشيءَ إذا فصله وقطعه ، فهو بائن ، ومنه : بان صاحبه إذا فارقه وهجره ( المعجم ) و ( الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي ) .