عبد الملك الجويني
63
نهاية المطلب في دراية المذهب
بأن الكناية لا تعمل إلا مع النية ، فإذا أطلق اللفظ ولم ينو ، لم يقع الطلاق ، فإن كان [ عاميّاً ] ( 1 ) ، سألناه عما سبق إلى فهمه من إطلاق عامّي آخر لهذه الكلمة ، فإن زعم أنه يسبق إلى فهمه الطلاق قيل له : لفظك محمول على فهمك لو كان اللافظ غيرك . وهذا توسط بين الصريح والكناية وضربٌ من التحكم . 8979 - ونحن نبُدي في هذا أصلاً ضابطاً ونقول : اللفظ الصريح المتفق عليه الشائع في طبقات الخلق هو الطلاق ، فحكمه أن يعمل مطلَقُهُ ممن صدر منه ، ومن أبدى فيما زعم عقداً ونيّة بخلاف موجب اللفظ ، التحق بباب التديين . هذا قسم . ويعارضه الكناية التي سنصفها ، وهي لفظة محتملة غير شائعة في الطلاق ، فسبيل هذا القسم ألا يعمل اللفظ إلا مع النية ، ومطلَقُه لاغٍ ، والرجوع إلى قصد المطلِق . ويتخلل بين الصريح الّذي قدمناه وبين الكناية قسم ثالث يعمل مطلَقه عند الأصحاب من غير نيّة ، فإذا زعم صاحب اللفظ أنه قصد خلاف الظاهر ، فقد يقبل ذلك منه ظاهراً ، ويكون في قبوله خلافٌ . وبيان ذلك بالمثال أن الرجل إذا قال لامرأته : أنت طالق أحسن الطلاق ، فمطلَق هذا محمول على الطلاق السُّني ، وإن لم ينو الزوج الطلاق السّني ، ولو زعم أنه أراد بالأحسن تعجيل الطلاق في زمن الحيض ، فهو مقبول منه ، فهذا يحمل مُطلَقه على محملٍ ، ويجوز العدول عنه بالقصد . وسيأتي لهذا نظائر . ثم تنقسم المسائل : فقد يتفق الأصحاب على إعمال اللفظ على جهةٍ عند الإطلاق ، ويختلفون في أن تلك الجهة هل تتغير بالقصد المخالف لها ، وقد يتفق الأصحاب على إعمال القصد على وجه ويختلفون في الإطلاق ، وهو مثل قول القائل : أنت طالق طالق طالق ، فلو زعم أنه أراد التأكيد ، قبل منه ، ولم يقع إلا طلقة واحدة ، ولو قال : لم أقصد التأكيد ، ولكن أطلقت هذه الألفاظ ، ففي المسألة قولان : أحدهما - أنا نحكم بوقوع الثلاث إذا كانت المرأة مدخولاً بها .
--> ( 1 ) في الأصل : عاماً .