عبد الملك الجويني

59

نهاية المطلب في دراية المذهب

والثاني - أن اللفظ كناية ؛ فإن الفراق والسراح [ ما ] ( 1 ) ظهرا وما اشتهرا اشتهار الطلاق ، ومعتمد الشافعي في إلحاقهما بالصريح جريانهما في الكتاب ، ثم لم يجر ذكرهما إلا على صيغ [ الأفعال ] ( 2 ) ، فأما المفارقة والمسرَّحة ، فلا ذكر لهما ، والمطلقة مذكورة في القرآن مع شيوع لفظ الطلاق . ولو قال لامرأته : أنت الطلاق ، فقد اختلف أصحابنا : فمنهم من قال : إنه ليس بصريح ؛ فإنه غير معتادٍ ، وليس جارياً على قياس اللسان ، أيضاً ، وكان كالمعدول عن الوضع والعرف . ومن أصحابنا من قال : إنه صريح ، لأن لفظ الطلاق ، لا يطلق - كيف فرض الأمر - إلا على قصد الفراق ، فإن جرى لفظٌ على خلاف ما يعرف ويؤلف ، فالاعتبار بأصل الكلمة . ولو قال لامرأته : أطلقتك ، أو أنت مُطْلَقة ، واستعمل صيغة الفعل أو الاسم ، من الإطلاق ، فهذا لم يتعرض له الأصحاب ، وفيه تردد بيّن ؛ فإن الإطلاق شائع في حلّ الوثاق وإطلاق الدواب عن رباطها ، وإطلاق الأسرى والمحبوسين ، وإخراج اللفظ عن كونه صريحاً أقربُ وأظهر عندنا في هذا منه إذا قال : أنت الطلاق ؛ فإن الطلاق لا معنى له في الاستعمال إلا الفراق ، بخلافه . ومن أسرار الصرائح أن يظهر اللفظ على غرض ، [ ويعد استعماله في غيره نادراً ] ( 3 ) وإذا كان الاستعمال في غير جهة الطلب شائعاً ، أشعر هذا بالخروج عن الصرائح في الجهة المطلوبة ، على ما سنذكر التحقيق في آخر الفصل ، عند نجاز المنقولات .

--> ( 1 ) في الأصل : لما . ( 2 ) في الأصل : صيغ الألفاظ . وهو تصحيف . سوّغ لنا تغييره وتصحيحه سياق الكلام وفحواه ، ثم أكد ذلك قولُ العز بن عبد السلام : " والصريح هو الطلاق والسراح والفراق ، وكذلك الأسماء والأفعال المأخوذة من الطلاق ، كقوله : طلقتك ، أو أنت مطلقة ، وكذا الفعل من السراح والفراق ، وفي الاسم كقوله : أنت مسرّحة أو مفارقة وجهان " ( الغاية في اختصار النهاية : جزء 3 ورقة 135 يمين ) . ( 3 ) في الأصل : " ويعد استعماله وغيره قادراً " وهو تصحيف واضح . والمثبت تقدير من المحقق .