عبد الملك الجويني
54
نهاية المطلب في دراية المذهب
وإذا اتهم حلّف ، وقد مال القاضي إلى هذا ، واحتج عليه بأن قرينة الحال تصدقه فيما يدّعيه ، والكلام يظهر بقرينة الحال ظهورَه بقيود المقال ، وسنذكر في ذلك أصلاً ممهداً في الفروع ، ومن صوره أن الرجل إذا حلّ القيد عن زوجته ، ثم قال : أنت طالق ، وزعم أنه أراد تطليقها عن قيدها ، وإنشاطها عن عقالها ، وقد جرى ذلك ظاهراً ، [ فهل ] ( 1 ) يصدَّق في حمل لفظ الطلاق على حل الوثاق والحالةُ هذه ؟ فعلى اختلاف [ بين ] ( 2 ) الأصحاب ، وهذا يجري مهما ( 3 ) اقترن باللفظ ما يُظهر قصد ( 4 ) التديين ، وسيأتي ذلك مفصلاً ، إن شاء الله عز وجل . 8971 - ثم ذكر القاضي كلاماً آخر بدعاً ، فقال : " إذا قال : نسائي طوالق ، وله أربع نسوة ، ثم زعم أنه عزل واحدة منهن بقلبه ، فهل نقبل ذلك منه في ظاهر الحكم ؟ فعلى وجهين : أحدهما - أنه يُقبل ؛ لأن اللفظ العام قابل للتخصيص ، وإذا وجدنا جريان ذلك في الكتاب والسنة ، لم نُبعِد قبولَه ظاهراً ، ويُصدَّق الزوج فيه " . وهذا غريب ، لم أره لغيره ، ويلزم على مقتضاه أنه إذا قال : عبيدي أحرار ، ثم
--> ( 1 ) في الأصل : أنها تصدق . ( 2 ) في الأصل : من . ( 3 ) مهما : معناها هنا ( إذا ) ، وهذا المعنى غير منصوص في المعاجم . وهذا الاستعمال جاء في كتاب ( العين ) للخليل بن أحمد حين قال : " إذا سئلتَ عن كلمة ، وأردت أن تعرف موضعها ، فانظر إلى حروف الكلمة ، فمهما وجدت منها واحداً في الكتاب المقدّم ، فهو في ذلك الكتاب " انتهى من مقدمة كتاب العين ، نقلاً عن رسالة بعنوان ( تصحيح الكتب وصنع الفهارس ) للشيخ أحمد شاكر ، وهي مستلّة من مقدمته لتحقيق وشرح ( جامع الترمذي ) وقد اعتنى بها فأفردها بالنشر وعلق عليها أخونا الكريم العلامة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة - برّد الله مضطجعه ، فكان من تعليقاته النفيسة ، تعليقُه في هذا الموضع على كلام الخليل بن أحمد هذا ، واستعمال ( مهما ) بمعنى ( إذا ) فقال : " قول الخليل هنا : ( فمهما ) ، لفظُ ( مهما ) هنا بمعنى ( إذا ) ، وهذا المعنى لم يذكر في ( المعاجم ) ، ولم أر له شاهداً في كلام العرب فيما وقفت عليه ، والعمدة في كلام اللغويين ما يروونه لا ما يلفظونه . وقد وجدت هذا الاستعمال في كلام الإمام الغزالي في " المستصفى من علم الأصول " اه - . ( ر . تصحيح الكتب وصنع الفهارس المعجمة : ص 47 ، وهامش رقم ( 1 ) من نفس الصفحة ) . ( 4 ) ت 6 : معنى التديين .