عبد الملك الجويني

345

نهاية المطلب في دراية المذهب

ولو قال : أمسكتك ، واقتصر على ذلك ، ففيه وجهان : أحدهما - أنه صريح في الرجعة ، وهذا القائل يتمسك بورود لفظ الإمساك في القرآن [ دالاً ] ( 1 ) على إرادة الرجعة . ومن أصحابنا من قال : ليس لفظ الإمساك صريحاً في الرجعة . ثم اختلف المفرّعون على هذا الوجه ، فذهب الشيخ والقاضي إلى أن قوله : أمسكتك وإن لم يكن صريحاً في الرجعة ، فهو كناية فيها ، فإذا نوى الرجعة ، صحت باللفظ والنية . وذكر العراقيون وجهاً آخر أن الإمساك لا يصلح للرجعة ، وإن اقترنت النية بها ( 2 ) ؛ لأن الإمساك معناه الاستدامة والاستصحاب ، والرجعةُ ابتداء استحلال ، فلا تحصل بما ليس فيه معنى الابتداء . فتحصّل من مجموع ما ذكره الأصحاب ثلاثة أوجه في لفظ الإمساك : أحدها - أنه صريح في الرجعة . والثاني - أنه كناية مفتقرة إلى النية . والثالث - أنه غير صالح للرجعة مع النية أيضاً . 9341 - ومما اختلف الأصحاب فيه الرجعةُ بلفظ النكاح والتزويج ، فمن أصحابنا من قال : تحصل الرجعة به ؛ فإن اللفظ إذا كان صالحاً لابتداء العقد ، وإثبات الاستحقاق ؛ فلأن يصلح لتدارك ما وقع من الخرم أولى . ومن أصحابنا من قال : لا تحصل الرجعة بلفظ التزويج والنكاح ؛ فإن النكاح للابتداء وليس فيه إشعار بالتدارك . وهذا الخلاف قرّبه الأصحاب من الخلاف إذا قال المُكري : بعتك منافع هذه الدار سنة ، ففي انعقاد الإجارة بلفظ البيع وجهان ، ووجهُ التقريب أن البيع موضوع لتمليك الرقبة ، والإجارةُ موضوعةٌ لاستحقاق المنفعة ، فتباعد المقتضيان .

--> ( 1 ) زيادة اقتضاها السياق . ( 2 ) بها : على معنى الكلمة أو اللفظة .