عبد الملك الجويني
346
نهاية المطلب في دراية المذهب
ثم إن حكمنا بأن الرجعة تصح بلفظ النكاح ، فقد ذهب القاضي إلى أنه كناية في الرجعة ولا بد من النية . وقال قائلون : لا حاجة إلى النية ، وهو من باب تحصيل الأضعف بالأقوى . وللأصحاب تردُّدٌ في هذه المسألة من وجه آخر : فمنهم من قال : لا يصلح لفظ النكاح للرجعة وإن نوى به الرجعة ، ومنهم من قال : تحصل الرجعة مع النية ، والخلاف في أن مُطلَقه هل يفيد الرجعة ؟ فينتظم من مجموع ما ذكرناه أوجه : أحدها - أن لفظ النكاح والتزويج يُحصّل الرجعة من غير نية . والثاني - أنه لا يحصّلها مع النية . والثالث - أنه كناية لا يعمل بنفسه ، فإن اقترن بالنية ، نفذ . ووراء ما ذكرناه سرٌّ لا بد من التنبه له ، وهو أنا سنذكر تردداً في أن الإشهاد هل يشترط على الرجعة ، فإن [ قلنا : ] ( 1 ) لا يشترط الإشهاد ، فلا يمتنع حصول الرجعة بالكناية ، وإن قلنا : الإشهاد يشترط في صحة الرجعة ، فعقْدُ الرجعة بالكناية بعيد ؛ فإن الشهود لا يطلعون على النيات . وقد يخطر للمنتهي إلى هذا الموضع أن الزوج إذا تلفظ بكناية في الطلاق ، ثم رددنا اليمين على المرأة ، فإنا نسمع منها اليمين على أن الزوج نوى الطلاق ، ومعتمدها في ذلك التعلّقُ بمخايلِ الزوج ، فإذا جاز هذا في اليمين ، فلتجز الشهادة . قلنا : لا يجوز تحمّلُ الشهادة بما يجوز الإقدامُ على اليمين به ؛ فإنا قد نجوّز للرجل أن يحلف معتمداً [ على ] ( 2 ) خط أبيه إذا كان موثوقاً به عنده ، وسنصف مجال الأيْمان والبصائر المرعيّة في تحمل الشهادات في كتاب الدعاوى والبيّنات ، إن شاء الله عز وجل .
--> ( 1 ) زيادة اقتضاها السياق . ( 2 ) زيادة من المحقق ، وهي عند ابن أبي عصرون .