عبد الملك الجويني
277
نهاية المطلب في دراية المذهب
9248 - ثم إذا قالت المرأة - وقد علّق الطلاق بحيضها - : " قد حضت " ، فالقول قولها مع يمينها ، ولو كذّبها الزوج ، فلا معتبر بتكذيبه . والذي عليه التعويل في ذلك يبينُ بتقسيمٍ : فإن علق الرجل طلاق امرأته بأمرٍ يظهر ويُتَصور إثباته بالبينة مثل أن يقول : إن دخلت الدار ، فأنت طالق ، . فإذا زعمت أنها دخلت ، وأنكر الزوج دخولها ، لم نصدقها ، ولم نقض بوقوع الطلاق حتى يَثْبت الدخول بالبينة . ولو قال : إن حضتِ ، فأنت طالق ، فقالت : " حضتُ " ، صُدّقت مع يمينها ، وقال الفقهاء : النساء مؤتمنات في أرحامهن ، وزاد زائدون بياناً وقالوا : لا يتبين الحيض إلا من جهتها ؛ فإن الدّم في عينه ، وإن رُئي ، فلا يمكن القضاء عليه بكونه حيضاً ، ما لم تخبر بترتيبٍ في أدوارها ، يقتضي ذلك كونَ ما تراه حيضاً . فهذا ما ذكره الأصحاب ووراءه كلام يأتي الشرح عليه ، إن شاء الله . ولو قال لامرأته : إن زنيتِ ، فأنت طالق ، فزعمت أنها زنت ، فالمذهب الذي عليه التعويل أنا لا نحكم بوقوع الطلاق ؛ من جهة أن الزنا يفرض الاطلاع عليه لا من جهتها . وقال بعض أصحابنا كل عملٍ خفيٍّ لا يفرض الاطلاع عليه ، فهي مصدقة فيه ، والزّنا منه ، وهذا حائد عن التحقيق غيرُ معدودٍ من المذهب . ولو قال الرجل لامرأته : إن أضمرتِ بُغضي ، فأنت طالق ، فزعمت أنها أضمرت ، وقع الطلاق ، وإن اتُّهمت ، حُلّفت ؛ إذ لا مطّلع على مكنون الضمائر إلا من جهات أصحابها ، فلا وجه إلا أن نصدقها ، وهذا أصل جارٍ في القصود والنيات المعتبرة . 9249 - وما ذكره الأصحاب من الفرق بين الأفعال التي يتطرق إليها إمكان الإثبات وبين ما لا يُعلم إلا من جهة المرأة يكاد يوافق مذهب مالك ( 1 ) في ادعاء المودَع التلف ، فإنه قال : إن ادعى سبباً جلياً يظهر مثله ويتأتى في الغالب الإشهاد عليه ، فلا يقبل
--> ( 1 ) ر . حاشية الدسوقي : 3 / 430 ، جواهر الإكليل : 2 / 141 .