عبد الملك الجويني
260
نهاية المطلب في دراية المذهب
اتضح أن لا مساغ للإقرار ، فلا وجه إلا ما قدّمناه ، وهذا متضح لا إشكال فيه . 9226 - وممّا نفرعه على هذا الأصل أنه إذا قال لامرأتيه : إحداكما طالق ، ولم يعيّن واحدةً بنيّة ، فلو ماتتا ، وبقي الزوج ، فالذي قطع به أئمة المذهب أن التعيين لا ينحسم بموتهما ، وهذا يؤكد أحد الوجهين في استناد الوقوع إلى اللفظ ، وإذا قلنا لمن يصير من الأصحاب إلى أن الطلاق يقع عند التعيين : كيف سبيل الحكم بوقوع الطلاق بعد الموت ؟ وهلاّ قلتَ : إن الطلاق يمتنع وقوعه بعد فقدان المحل ؟ يقول : إن هذا اللفظ وإن كان لا يوقع الطلاق ابتداء ، فإنه يوجبه إيجاباً لا يُدفع ، ولو حكمنا بأنه يفوت ، لوجب أن نقول : إذا بدا للزوج ألا يعيّن ، ورأى أن يبقيَهما على النكاح ، فلا معترض عليه والنكاحُ يستمرّ ، فإذا لم نقل ذلك ، تبين أن الطلاق لا بد منه . وقد ذهب أبو حنيفة ( 1 ) إلى أنهما إذا ماتتا في الصّورة التي ذكرناها ، فقد فات التعيين بموتهما . ومذهبه أن الطلاق يقع عند التعيين ، وكان شيخي يميل إلى هذا المذهب ، وليس هذا ملتحقاً بمذهب الشافعي ، والمذهب المقطوع به ما ذكرناه . ثم إن كنا نرى استناد الطلاق إلى اللفظ ، فلا إشكال ؛ فإن فرّعنا على أن الطلاق يقع عند التعيين في حياتهما ، ففرض الوقوع عند التعيين بعد الموت محال ، ولا بدّ من فرض استناد على هذا الوجه في هذه الصورة ، ثم كيف الاستناد ؟ وما المستند ؟ المذهب الأصح أن الطلاق يستند إلى اللفظ في هذه الصورة ، ويلتقي الوجهان ؛ فإنا لم نجد إلى رد الطلاق سبيلاً ، ولم يمكنا أن نحقّقه عند التعيين ، وترددنا بين اللفظ والتعيين ، فإذا عسر تحقيق الطلاق عند التعيين ، استند إلى اللفظ تبيّنا . ومن أصحابنا من قال : تطلق المعينة قبيل موتها ، فإن عُمرها كان محلّ التعيين ، فإذا تصرّم ، رددنا وقوع الطلاق إلى آخر زمن يمكن فرض التعيين فيه ، وهذا فقيه حسنٌ ، وهو يناظر في الظاهر مذهب أبي حنيفة ( 2 ) في حكمه بَعتاقة المكاتَب الذي خلف وفاء إذا أخذت النجوم من تركته ، فالعتق لا يحصل بعد الموت عنده ، ولكن
--> ( 1 ) ر . مختصر الطحاوي : 199 . ( 2 ) ر . المبسوط : 7 / 216 ، رؤوس المسائل : 546 مسألة : 403 ، طريقة الخلاف : 177 مسألة 70 ، إيثار الأنصاف : 185 .