عبد الملك الجويني

255

نهاية المطلب في دراية المذهب

في القسم الأول بتبيين المنوية المعنية عند إطلاق اللفظ ، فالمطالبة في ذلك القسم بالتبيين ، وفي هذا القسم بالتعيين . ثم إذا عيّن واحدةً ، فالطلاق يقع من وقت التعيين أو يستند إلى وقت التلفظ ؟ فعلى وجهين مشهورين : أحدهما - أنه يقع من وقت التعيين . والثاني - أنه يقع من وقت اللفظ . توجيه الوجهين : من قال : إنه يقع من وقت اللفظ ، احتج بأمورٍ منها أنه جزم الطلاق ونجّزه ؛ إذ قال : إحداكما طالق ، وليس في لفظه تعليق ، فلو أخرنا وقوع الطلاق إلى وقت التعيين ، لكان ذلك مخالفاً لمقتضى قوله ، وأيضاً ؛ فإن التعيين ؛ المتأخر ليس بياناً للكلام الأوّل ، وليس إنشاءَ طلاق ، فإذا كان لا يتأتى منه أن يقول : " عنيت بالطلاق هذه " على معنى الإخبار عما خطر له قبل [ الطلاق ] ( 1 ) ، [ لم ] ( 2 ) يكن قوله عنيت هذه طلاقاً ، والطلاق لا بعض له ، ويستحيل أن يصير التعيين مع اللفظ السابق بمثابة لفظ منتظم ؛ فإن اللفظ الواحد أو الجملة الواحدة لا تتقطع ، وقد تخلل بين الأول وبين هذا التعيين زمان ينقطع الوصل بمثله ، فلا وجه إلا استناد وقوع الطلاق إلى اللفظ . ومن قال : يقع الطلاق عند التعيين ، احتج بأن الزوج يعين أيتهما شاء عن خِيَرةٍ وتشهٍ ، ويستحيل وقوع الطلاق مبهماً من غير نزولٍ على محلٍّ مخصوصٍ ويستحيل بقاء الطلاق محوِّماً على محلٍّ إلى النزول عليه ، فلا وجه إلا المصير إلى أنه يقع عند التعيين . 9220 - وأهمّ ما يجب الاعتناء به فهْمُ هذا الخلاف وتنزيلُه على حقيقته ، ثم ابتداء التفريع وراء ذلك . ذكر القاضي أن هذه المسألة بينها وبين الكلام في أن القسمة بيعٌ أو إفراز حق مشابهةٌ ومضاهاةٌ في المعنى ؛ فإن الشريكين في الدار المشتركة إذا اقتسماها ، فوقع

--> ( 1 ) في الأصل : " المسيس " ولعلها سبق قلم من الناسخ ، فلا معنى لها في هذا الموضع . ( 2 ) في الأصل : " ولم " .