عبد الملك الجويني
221
نهاية المطلب في دراية المذهب
أردت تعليق انتفاء الثلاث بمشيئته واحدة ، فهل يقبل ذلك منه حتى لا يقع شيء ؟ فعلى وجهين : أظهرهما - أنه يصدّق ، ولا يقع شيء . 9178 - ولو قال لامرأته : أنت طالق إن شئت ، فقالت بلسانها : شئتُ ، وكانت كارهةً بقلبها ، فلا شك أنا نحكم بوقوع الطلاق ظاهراً ، وهل يقع في الباطن ؟ قال القفال : جرت هذه المسألة بيني وبين أبي يعقوب الأَبيْوَرْدي ، فذهبَ إلى أنه لا يقع الطلاق باطناً ، كما لو قال : أنت طالق إن حضتِ ، فقالَت حِضتُ كاذبةً ، فهي مصدّقة ظاهراً ، ولا يقع الطلاق باطناً . قال القفال : قلتُ : يقع الطلاق باطناً ، وكأنه معلّق بوجود لفظ المشيئة وقد وجد ، والدليل عليه أنه لو قال : أنت طالق إن شاء فلان ، فقال : شئت ، حُكم بوقوع الطلاق وصُدّق ، ولو كان معتبر الطلاق مشيئةَ القلب ، لكان ذلك بمثابة ما لو قال : " أنت طالق إن دخل فلان الدار " ، فقال فلان : دخلتُ ، لم يصدق ، فدلَّ [ على ] ( 1 ) أن الطلاق معلق بالنطق بالمشيئة ( 2 ) ، وقد جرى قطعاً .
--> ( 1 ) زيادة اقتضاها السياق . ( 2 ) في هذا الكلام والاستدلال حذف لمعلومٍ أدى إلى ما يشبه التناقض . وبيان ذلك أنه يستدل على أن وقوع الطلاق غير معلّق بمشيئة القلب ، فذكر دليلاً على ذلك عدم تصديق فلان إذا قال : " دخلتُ الدار " وهذا عكس المطلوب ، فلو كان التعليق بالظاهر ، لصدق ووقع الطلاق ، ولكن في الكلام حذفٌ للعلم به ، والتقدير : وإذا كان من المعلوم المسلم أنه إذا قال لامرأته : " أنت طالق إن دخل فلان الدار " فقال فلان : دخلت ، وقع الطلاق ، فدلّ ذلك على أن الطلاق معلق بوجود اللفظ الدال على المشيئة والدخول ، لا على حقيقة ذلك ، ولو كان معلقاً على حقيقة المشيئة ، لم يُصدّق فلانٌ المعلّقُ بدخوله إذا قال : دخلتُ . ويشهد لمحاولتنا هذه تلخيص الإمام ابن أبي عصرون لكلام إمام الحرمين ؛ إذ قال ما نصه : " ولو قال : أنت طالق إن شئت ، فقالت بلسانها : شئت - وهي كارهة - وقع الطلاق ظاهراً ، وهل يقع باطناً ؟ حكى القفال عن أبي يعقوب الأبيوردي أنه لا يقع ، كما لو قال : أنت طالق إن حضت ، فقالت : حضت - كاذبةً - ، لم يقع في الباطن شيء . وقال القفال : يقع باطناً ؛ لأنه معلق بلفظ المشيئة ؛ ولهذا لو قال : أنت طالق إن شاء فلان ، فقال : شئت ، صُدِّق ووقع الطلاق . ولو تعلق بمشيئة القلب ، لكان بمثابة قوله : إن دخل فلان الدار ، فأنت طالق ، فقال : دخلت ، وقع الطلاق " ا . ه ( صفوة المذهب / جزء 5 ورقة : 17 يمين ) .