عبد الملك الجويني
222
نهاية المطلب في دراية المذهب
قال القاضي : لعل ما ذكره الأبيوردي أصح ، وما استدلّ به الشيخ ( 1 ) فيه نظر ؛ من جهة أن تعليق الطلاق على مشيئتها فيه معنى التمليك ، وهو يعتمد الإرادة ومحلها القلب ، وليس في تعليق الطلاق على مشيئة زيدٍ معنى التمليك ، [ بل هو ] ( 2 ) فيه لفظ مجرد منه ظاهراً وباطناً . وهذا كلام لا يشفي الغليل ؛ فإن لفظ المشيئة مشعر بإرادة القلب في الموضعين ، ولا وقع لملكها نفسها لو طلقت في هذا المقام ، فالوجه في الجواب أن مشيئة زيدٍ وإن تعلقت بإرادة قلبه ، فلا مطلع على إرادته إلا من جهته ، وما كان كذلك ، فلا طريق فيه إلا التصديق ، وليس كما [ لو ] ( 3 ) قال : أنت طالق إن دخل فلان الدار ؛ فإن الدخول يمكن أن يعرف لا من جهة الداخل . ولو قال الرجل لامرأته : أنت طالق إن دخلت الدار ، فقالت : دخلت ، لم تصدق . ولو قال : أنت طالق إن حضت ، فقالت : حضتُ ، صُدّقت ؛ لأن الحيض لا يعرَف إلا من جهتها ، كما ستأتي المسائل المعلّقة على الحيض . ومساق كلام القاضي دليل على احتكامه على أبي يعقوب ؛ فإن الطلاق إذا كان معلقاً على مشيئة زيدٍ ، فقال : شئت ، ولم يرد بقلبه - أن ( 4 ) الطلاق يقع باطناً تعويلاً على اللفظ ، وإنما لا يقع باطناً إذا كان معلقاً بمشيئة المرأة ولم تُرد بقلبها ، وهذا تحكُّم محال . وأبو يعقوب أفقه من أن يسلّم الفرق بين المسألتين ، ولكن المسألة تدور على [ نكتة ] ( 5 ) ، وهي أن المرأة لو أرادت الطلاق بقلبها ولم تنطق بالمشيئة ، فإن كان
--> ( 1 ) الشيخ : المراد به هنا القفال . ( 2 ) زيادة اقتضاها السياق . ( 3 ) زيادة من المحقق . ( 4 ) المعنى أن الطلاق يقع ظاهراً وباطناً إذا كان معلقاً بمشيئة زيد ولم يشأ بقلبه ، بل بلفظه فقط ، وإذا كان معلقاً بمشيئة المرأة ، فلا يقع باطناً إلا إذا شاءت بقلبها ؛ لأن في التعليق بمشيئتها معنى التمليك ، بخلاف الأجنبي . هكذا وبهذا التفريق رجح القاضي كلامَ الأبيوردي . ( 5 ) في الأصل : ثلاثة ، ورسمت هكذا ( ثلثه ) . ويعلم الله كم أضنانا هذا التصحيف ، حتى بلغ بنا الضيق والضجر مبلغاً سدّ منافذ الفكر والطاقة نحو يومين ، ونحن نراوح في مكاننا صباح =