عبد الملك الجويني
212
نهاية المطلب في دراية المذهب
وأنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً ؛ فإن الاستثناء المستغرق باطل ، والمستثنى عنه نافذ بكماله ، وفرّق الأصحاب بين البابين ، بأن قالوا : الإتيان بالاستثناء المستغرق لا يبني عليه الجادُّ ابتداءً كلامَه ، ولا يعدّ الكلام المتصل به منتظماً على جدٍّ وتحصيلٍ ، وأمّا تعليق الكلام بالمشيئة ، فمما يعدّ منتظماً ، ثم قيل : الكلام بآخره . وهذا يعتضد بأن قول القائل : أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً تعقيبُ إثبات بنفيٍ على التناقض [ المحض ] ( 1 ) ، وقول القائل : " أنت طالق إن شاء الله " تعليقٌ بصفة صيغتها تتضمن التردّد ؛ فإن مشيئة الله غيبٌ لا يُطَّلع عليه ، فلم يكن مبنى الكلام على [ التنافي ] ( 2 ) والتناقض ، ثم إن وقع الحكم بانتفاء الطلاق لأمرٍ يقتضيه الشرع ، فهذا لا يرجع إلى اختلال الكلام في نفسه . هذا هو الفرق . 9167 - وقد حكيتُ فيما أظن عن صاحب التقريب : أن التعليق بمشيئة الله تعالى لا يؤثر في إبطال الألفاظ ، وهذا شيء غريبٌ لا تعويل على مثله ، وقد قدّمت ذكرَه في كتاب الإقرار ، فالتفريع إذاً على ما عليه الأصحاب . ثم لا فرق بين الطلاق والعتاق ؛ فإن مشيئة الله غيبٌ في جميعها . وعن مالك : أنه قال : العتق المعلق بمشيئة الله ناجزٌ ، والطلاق المعلّق بالمشيئة لا يقع ( 3 ) ، وقد أورد إسحاق في مسند مُعَاذ بن جَبَل عن يحيى بن يحيى عن إسماعيل بن عيّاشٍ عن حميد بن مالك اللخمي عن مكحُول عن معاذٍ أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا معاذ ما خلق الله شيئاً على وجه الأرض أحبَّ إليه من العتاق ، وما خلق الله شيئاً على
--> ( 1 ) في الأصل : المحيض ، والمثبت تقدير منا . ( 2 ) في الأصل : التناهي ، والمثبت من المحقق . ( 3 ) هكذا يروي الإمام عن مالك رضي الله عنهما : " أن العتق المعلق بمشيئة الله ناجز ، والطلاق المعلق بالمشيئة لا يقع " ولكن الرافعي رضي الله عنه يقول : " روى هذا إمام الحرمين وجماعةٌ عن مالك ، والأثبتُ عنه أنه لا يؤثر الاستثناء في العتق ، ولا في الطلاق ، وإنما يؤثر في اليمين بالله تعالى " ( ر . الشرح الكبير : 9 / 34 ) وما قاله الرافعي صدَّقته مصادر الفقه المالكي وأمهات كتبه . ( ر . الإشراف للقاضي عبد الوهاب : 2 / 748 مسألة : 1361 ، وعيون المجالس : 3 / 1240 مسألة : 864 ، وجواهر الإكليل : 1 / 351 ، والتاج والإكليل للمواق بهامش الحطاب : 4 / 74 ، وحاشية الدسوقي : 2 / 392 ) .