عبد الملك الجويني
177
نهاية المطلب في دراية المذهب
وهذا الخلاف مأخوذ [ ممّا ] ( 1 ) إذا قال الرجل لامرأته : أنت طالق ، فماتت ، ثم قال : ثلاثاً ، فمن قال ثَمَّ : لا يقع شيء ، فيقول في سلامة ( 2 ) الحال : يقع الثلاث عند قوله ثلاثاً . ومن قال ثَمَّ : يقع الثلاث ، يقول في سلامة الحال : يقع الثلاث بفراغه من قوله : أنت طالق . ومن قال ثَمَّ : إذا ماتت المرأة ، وقعت طلقة بقوله : " طالق " في حياتها ، فيلزمه على هذا المساق أن يقول : يقع طلقة بقوله طالق ، ويتم الثلاث بقوله ثلاثاً . هذا مسلكٌ لبعض الأصحاب ، وهو ساقط عندنا ؛ فالوجه القطع بأن الثلاث تقع مع الفراغ من الكلام ؛ إذ لا خلاف أنه إذا قال للتي لم يدخل بها : أنت طالق ثلاثاً ، طلقت ثلاثاً ، ولو كانت تطلق واحدة بقوله أنت طالق ، لبانت ثم لا يلحقها غير الواحدة . ومن لطيف الكلام في هذا أنه إذا أنشأ قولَه : أنت طالق ، وعزم على أن يقول ثلاثاً ، فهذا ليس يطبِّق قصدَ الثلاث ونيّتَها على قوله طالق ؛ فإنه بنى كلامه على أن يصرّح ويعوّل على ذكر الثلاث ، فلا معنى للمصير إلى أنه في حكم من يقول : أنت طالق وينوي الثلاث ، ولكن إن تمّ اللفظ واتَّسق على ما أراد ، فالتعويل على اللفظ . والوجه القطع بوقوع الثلاث مع الفراغ من اللفظ ، وإن طرأ ما يمنع نفوذ الطلاق كالموت في المخاطبة ، فيثور الإشكال الآن ؛ فإن تعطيل لفظه ، وقد أتى بما يستقل ويفيد في حالة الحياة محال ، فاضطرب رأي الأصحاب عند طريان ما وصفنا ، فمن [ طرد ] ( 3 ) القياس الذي قدمنا صائر إلى أن بعض اللفظ إذا وقع بعد الموت ، لغا كلُّه ، وهذا وهم ، والمصير إلى وقوع الثلاث وهمٌ ، والأقرب ألا يعطَّل ويُكتفى بموجب اللفظ المصادف للحياة .
--> ( 1 ) في الأصل : فيما . ( 2 ) سلامة الحال : أي عدم موت الزوجة . ( 3 ) في الأصل : " طارد " .