عبد الملك الجويني
169
نهاية المطلب في دراية المذهب
وكان شيخي يقول : من أُوجر ( 1 ) خمراً ، وانتهى إلى السكر الطافح ، فمرت عليه مواقيت صلوات ، لم يلزمه قضاؤها ، كالمغمى عليه . وتردد الأصحاب في أنا إذا جعلنا السّكران كالصاحي ، فهل نجعل صورة السكر حَدَثاً ناقضاً للطهارة ؛ فإنه على صورة الإغماء ، وقد قدّمنا هذا في كتاب الطهارة . فهذا قولنا في أحكام السكران . وقد قال الشافعي : إذا ارتد السكران ، ثبت حكم الردة ، ولكنّه لا يستتاب حتى يُفيق ، وعن هذا النص نشأ للأصحاب الفرق بين ما له وعليه ، والأَوْلى حمل ذلك على رعاية [ مصلحته ] ( 2 ) ، وإلا فالإسلام يصح ممن تصحّ منه الردة . 9114 - فأما حدّ السكر ، فقد نقل عن الشافعي أنه قال : إذا اختلط كلامه المنظوم ، وانكشف سره المكتوم ، فهو سكران . وقال قائلون : إذا أخذ يهذي في الكلام ويتمايل في المشي ، فقد انتهى إلى السكر . وقال بعض الأصحاب : السكران من لا يعلم ما يقول ، وهذا يعتضد بظاهر قوله تعالى : { لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ } [ النساء : 43 ] . وهذه العبارات متقاربة ، ولكنها ليست على الحدّ الذي أرتضيه في البيان ، فأوّل السكر لا يسلب الكلامَ ، ولا يُنهي السكران إلى الهذيان الذي يصدر مثله من النائم ، ولكن السكران هو الذي يكون في كلامه وخطابه وجوابه وما يقوله ويفعله كالمجنون ، وللمجنون مَيْزٌ وفهم ، وهو يبني عليه الجوابَ والإصغاء وفهم الخطاب ، فإذا انتهى السكران إلى مثل حاله ، فهو في حد السكر . ثم قد ينظم المجنون كلاماً وقد يخبطه ، ولا تخفى تاراته في نظمه وخَبْطه ، والمعنىُّ بكلام الشافعي إذا اختلط كلامه المنظوم أن يتطرق إلى كلامه الاختلاطُ الذي يتطرق إلى كلام المجانين .
--> ( 1 ) أُوجر : من أوجرت المريض إذا صببت الدواء في حلقه ( المصباح ) . ( 2 ) في الأصل : مصلحةٍ .