عبد الملك الجويني

170

نهاية المطلب في دراية المذهب

ومن قال : السكران من يهذي ويتمايل ، فالذي جاء به لا بيان فيه ، والتمايل لا معنى له . ومن قال : السكران من لا يعلم ما يقول ، فعليه مراجعةٌ ، لما ذكرنا من أن أصل العلم لا يمكن سلبُه من البهائم ، فضلاً عن السكارى والمجانين ، ومن أراد الإحاطة بهذا على التحقيق ، فليجدّد عَهْده بمجموعاتنا ( 1 ) في حقيقة العقل ، ثم ليَبْنِ عليه أن السكران من لا يتصف بالعقل ، وإن نجّزنا طرفاً منه : فمن لا عقل له ، [ لا يتصوّر ] ( 2 ) منه النظر العقلي ، وإن ذكر من مباديه شيئاً ، فهو عبارات الفقهاء ، ولا يخفى عروُّه عن حقيقتها . 9115 - فإذا دبّت الخمرة ( 3 ) ، انتشى الشارب وعَرتْه طَرِبَةٌ وهِزّةٌ ، وهذا قد يَحُدّ ( 4 ) العقل ، فليس من السكر ( 5 ) . وبعد ذلك ما ( 6 ) وصفناه من السكر ، مع بقاء أفعال وأقوال . ومنتهى ( 7 ) السكر الاتصاف بصفة المغشي عليه .

--> ( 1 ) بمجموعاتنا في حقيقة العقل : المراد مؤلفاتنا ، ومباحثنا في حقيقة العقل ، وللإمام كتاب بعنوان ( مدارك العقول ) لما نصل إليه بعدُ . وقد أشبع قضية العقل والعلم بحثاً في كتابه الفذّ ( البرهان في أصول الفقه ) في الفقرات من 36 إلى 69 . وكان من نعم الله علينا أن هيأ لنا إخراج هذا الكتاب لأول مرة ، بعد أن ظل مخطوطاً قروناً طويلة يُسمع به ولا يرى ، فلله الحمد والمنة . ( 2 ) في الأصل : " ولا يتصوّر " ( بزيادة الواو ) . ( 3 ) أول صور السكر عند الإمام . ( 4 ) يحدُّ العقل : من باب قتل . وهي هنا من معنى حدَّ السيفَ : إذا شحذه . كذا فسر الرافعيُّ كلام الإمام ( الشرح الكبير : 8 / 566 ) . والمعنى أن الخمر في أول أمرها قد تشحذ العقل ، قبل أن تغيبه وتذهبَ به ، وهذه أول مرحلة من مراحل السكر الثلاث - عند الإمام . ( 5 ) فليس من السكر : أي هذه الحالة الأولى من حالات السكر ومراحله ، وهي لا تحسب في أحكام السكران . ( 6 ) هذه الحالة الثانية أو المرحلة الثانية من مراحل السكر . ( 7 ) وهذه هي الحالة الثالثة ، أو المرحلة الثالثة .