عبد الملك الجويني

153

نهاية المطلب في دراية المذهب

على التجديد وامتناع [ حمله ] ( 1 ) على التأكيد ، ولا ينبغي أن يُغيَّر أصلُ المذهب وقاعدتُه ، بما يجري نادراً من حكايات النصوص . والذي يمكن توجيه النص به : أنّ ( بل ) يتضمن استدراكاً في مخالفة ما مضى ومضادّته ، حتى إن كان الكلام الأوّل نفياً ، كان ( بل ) إثباتاً ، وإن كان صَدْرُ الكلام إثباتاً ، كان ( بل ) نفياً . هذا معنى الكلمة ووضعها ، فإذا قال أولاً : أنت طالق ، ثم قال آخراً : لا بل طالق ، أو بل طالق ، فهذه الكلمة ليست على وضعها في اقتضاء المخالفة فضعفت ووهت ، وكانت كالساقطة المُطَّرحة ، وهذا المعنى لا يتحقق في سائر التغايير الحاصلة بالصّلات المختلفة ، وهذا لا بأس به . على أنّ المذهب ما قدّمناه . 9096 - ولو قال : " أنت طالق ، وطالق ، فطالق " وقعت الطلقات الثلاثة ( 2 ) . فإن قيل الفاء كالواو في معنى العطف ، فهلاّ جوزتم أن يكون اللفظ الثالث تأكيداً للفظ الثاني ؟ قلنا : الفاء عاطفة ، والعطف ينافي التأكيد وليست الفاء تكريرَ الواو ، فإذا امتنع التكرير في الفاء ، وجب إجراؤه على حقيقة العطف ، والعطفُ مقتضاه الاستئناف . 9097 - وإذا أردنا نظمَ هذه المسائل المتفرّقة تحت ترجمةٍ ، قلنا : إذا تغايرت الألفاظ بصلاتِ عواطفَ مختلفة ، فهي على التجديد . وإذا لم يتخللها عواطف ، فهي بين التجديد والتأكيد : فإن قَصَد التأكيد ، قُبل ، وإن قَصَد التجديدَ ، نَفَذ . وإن أطلق ، فعلى الخلاف ، فإذا تخلل بين لفظين ما يمنع من التأكيد ، وقعت الثنتان ، وفي الثالثة ما ذكرنا من التفصيل ، فإن أكد بها الثالثة ، قُبل ، وإن أكد الأولى ، فعلى وجهين قدمنا ذكرهما .

--> ( 1 ) في الأصل : لفظه . ( 2 ) كذا ( الثلاثة ) بالتأنيث ، وهو جائز صحيح ، لتقدم المعدود ، حيث تجوز الموافقة والمخالفة .