عبد الملك الجويني

148

نهاية المطلب في دراية المذهب

واللفظ الذي ذكرناه يتفصّل - بعد الإحاطة بفصل الأصمّ - فإن كان اللفظ بحيث لا يتصوّر أن يسمع معه وإن جرّد المكلّم قصده في الدّرْك والإصغاء ، فهذا فيه احتمال مأخوذ من تكْليم الأصمّ ، وإن كان اللفظ بحيث يتصوّر السّماع معه ، لو فرضت الإصاخة والإصغاء ، لأمكن الإسماع ، فيجب القطع هاهنا بالحِنث ؛ فإنه يقال : كلمته فلم يُصغِ . وقد ينقدح [ في ] ( 1 ) هذا نظر في تكليم الأصم إذا كان وجهه إليه ، وهو أنه يعلم أنه يكلّمه ، فالوجه هاهنا القطع بوقوع الطلاق ، وكذلك القول في مثل هذه الحالة ، والمانع اللفظ . وإن كان كلمته على مسافة بعيدةٍ لا يحصل الإسماع في مثلها ولم يحصل ، فلا يقع الطلاق ، ولو اختطفت الريح كلامها وسحلته ( 2 ) في أذني المكلَّم ، فالظاهر أنه لا يقع الطلاق . ولو كلمته ميتاً أو نائماً ، لم يقع الطلاق ، ولو هذت هي بالكلام ، لم يقع الطلاق ، وإن كان على صيغة تكليمه ، لأن هذا لا يسمى تكليماً . وإن سمي كلاماً . ولو جُنّت ، فكلمته ، قال القاضي : يقع الطلاق ، وهذا يخرج على أنها لو أكرهت على التكليم هل يقع ؟ فإنّ قصد المجنون أضعف من قصد المكره ، وسنذكر في حصول الحِنث مع الجنون كلاماً بالغاً في كتاب الإيلاء ، إن شاء الله . ولو كلمته سكرانةً أنبني أمرَها على أنها كالصاحية أم لا ؟ فإن جعلناها كالصاحية ، وقع الطلاق ، وإلا فهي كالمجنونة ، ولو انتهت إلى السكر الطافح ، فهذت ، فهذيانها كهذيان النائم ، وسيأتي على الاتصال بهذه الفصول أحكام السّكران .

--> ( 1 ) في الأصل : من . ( 2 ) سحلته : أي صبته ، يقال : سحلت السماء أي صبّت الماء ( معجم ) ، والمعنى إذا كلمته من مسافة بعيدة ، لا يكون الكلام من مثلها ، ولكن الريح حملت كلامها إليه ، فلا يسمى تكليماً .