عبد الملك الجويني

118

نهاية المطلب في دراية المذهب

9051 - والوجه عندنا القطعُ بمخالفة الربيع في الصفة ، والقطع بأن التعليق في المستحيل وغير المستحيل يمنع انتجاز الطلاق ؛ فإنا لو نجّزناه ، لأوقعنا طلاقاً لم يوقعه ، وليس يخرج على الانتظام تعليق الطلاق بما لا يكون على قصد أن الطلاق لا يقع ، كما أن الصفة المذكورة لا تكون ، وهذا كقوله تعالى : { حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ } [ الأعراف : 40 ] فاقتضى ظاهر الخطاب من جهة الصيغة تعليقَ خروج الكفار من النار على أن يلج الجمل على هيئته في سم الخياط على ضيقه ، وهذا مستحيل ، والمقصود أنهم لا يخرجون أبداً ، كذلك القول في تعليق الطلاق بالمحال . 9052 - ولو قال : أردت بقولي : " أنت طالق الشهرَ الماضي " أن الطلاق يصادف في وقوعه الشهرَ الماضي ، [ وإن ] ( 1 ) كان لفظ الإيقاع حاصلاً الآن . وهذا يتميز عن الصورة المتقدمة بشيءٍ ، وهو أنه في الصورة المتقدمة قصد التنجيز في الحال مع العكس على ما مضى ، فكان المذهب الحكم بالتنجيز ، وإبطال قصد العكس ، وهو في هذه الصورة يبغي ألا ينجّز في الحال طلاقاً ، وإنما يعكسه على ما مضى ويقدّر وقوعه فيما سبق ، ثم هو يسترسل على الزمان استرسال الطلاق ، فإذا أراد ذلك ، فلفظه غير بعيد عن الإشعار بهذا . وقد يتخيل بعض الناس إمكان ذلك ، فيخرج ما أبداه عن الهزل الذي لا يخفى مُدركه ، ففي هذه الصورة وجهان : أحدهما - أن الطلاق لا يقع ؛ لأنه لم يقصد تنجيزه ، وقصْدُ الإيقاع على ما رَامَ غيرُ ممكن . والوجه الثاني - أن الطلاق يقع ؛ فإنه ليس يُنكَر انبساط الطلاق على الزمان الذي أنشأ اللفظ فيه ، فهذا الزمان من مضمّنات قصده في الطلاق ، فلينتجز في الوقت وليلغُ ما يزيد على ذلك . والشافعي ذكر في هذه الصورة لفظةً محتملة مترددة ، فقال : " إيقاع الطلاق الآن في شهرٍ مضى محال " ( 2 ) فمن أصحابنا من قال : لا يقع ؛ لأنّ الشافعي أحاله ، والمحال لا يقع ، ومنهم من قال : يقع ؛ لأنه نجَّز الطلاق ، والإحالة في الصفة مُخْرَجة من البَيْن ، فيجعل كأنه أطلق ، ولم يصفه .

--> ( 1 ) في الأصل : فإن . ( 2 ) ر . المختصر : 4 / 78 .