عبد الملك الجويني
116
نهاية المطلب في دراية المذهب
9049 - ولو قال : أردت بقولي : " أنت طالق الشهر الماضي " أن يقع في الحال الطلاق ، ولكن يترادّ إلى الشهر الماضي ، ويستند إليه ، ويتنجز في الحال وينعكس إلى ما مضى ، فهذا الذي قاله كلام لا أثر له ، والطلاق يتنجز في الحال ، ولا ينعكس على ما تقدم ؛ فإن التصرف في الزمان الماضي بأمرٍ ينشأ في الحال مستحيل ، وقضايا ( 1 ) الألفاظ لا تتقدم عليها قط . وحكى بعض الأئمة عن الربيع أنه قال : لا يقع الطلاق ؛ فإنه قصد طلاقاً [ يعتمد ] ( 2 ) الانعكاس ، وفي لفظه إشعارٌ به ، والطلاق على هذا الوجه مستحيل ، والمستحيل لا يقع ، وقال الأئمة : هذا من تصرف الربيع وتخريجه ، وتصرّفُه إذا لم يوافق قاعدة المذهب مردود ، والمقبول منه منقولُه لا مقولة ، واستدل الربيع على ما قال بان قال : إذا علّق الرجل الطلاق بمستحيل ، لم يقع ، مثل أن يقول : لامرأته إن طرْتِ أو صعدتِ السماء ، فأنت طالق ، فلا يقع الطلاق . ومن أصحابنا من قال في مناكرة الربيع : إن قال : " إن طرتِ ، فأنت طالق " ، يقع الطلاق ، وفي الوصف والتعليق تصرفٌ للأصحاب نذكره ، ثم نوضح الصحيح فيه . قالوا : إذا وصف الطلاق بصفة مستحيلة لا يُنظم في الجدّ مثلُها ، لغت الصفة ويقع الطلاق ، مثل أن يقول : " أنت طالق طلاقاً لا يقع عليك " ، فقد وصف الطلاق بصفة مستحيلة ، وهذه الصفة لا يتخيلها ذو عقلٍ وتحصيل ، فقيل : الطلاق نافذ وحظّ الهزل منه مردود ، وهو بمثابة ما لو قال : " أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً " فالثلاث واقعة والاستثناء المستغرق مردود ، وإن وصف المطلِّق الطلاقَ بصفة مستحيلة حكماً ، ولكن لا يبعد أن يتخيلها متخيل ، وذلك كقول القائل : أنت طالق الشهر الماضي ، فإذا أراد طلاقاً شابَه الانتجازُ في الحال ، والانعكاس على ما مضى ، فالطلاق واقع ، والصفة باطلة ؛ بناء على حكم الشرع ، بإبطال تلك الصفة . وقال الربيع : لا يقع الطلاق ؛ فإن الذي أوقعه من الطلاق لا يتصور وقوعه على النعت الذي ذكره ، وهو لم يوقع غيره .
--> ( 1 ) وقضايا الألفاظ : بمعنى مقتضياتها . ( 2 ) في الأصل : يعتدّ .