عبد الملك الجويني

9

نهاية المطلب في دراية المذهب

بعض نسائه طول نهاره مغضباً ، فقلت لها : لا تفعلي ذلك ولا تغترّي بابنة أبي قحافة ، فإنها حِبّ النبي صلى الله عليه وسلم ، يحتمل منها ما لا يحتمل منك ، وكنت قد ناوبت رجلاً من الأنصار حضور مجلس النبي صلى الله عليه وسلم ، فكنت أحضر يوماً ، ويغيب في حاجته ، فأخبره بما يجري ، ويحضر يوماً وأغيب في حاجتي ، فيحدثني بما جرى ، فكنت في البيت إذْ قرع الأنصاري الباب عليّ ، وقال : أَثمَّ عمر ، فقلت : نعم . أحدث أمر ؟ فقال : نعم ، قلت : أجاءتنا غسان ؟ - وكنا نحدث بأن [ غسانَ ] ( 1 ) تنعل خيولها لتغزونا فقال : أمر أفظع من ذلك : طلّق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه ، فخرجت من البيت ، ودخلت المسجد ، ورأيت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حول المنبر جلوساً يبكون ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على [ مَشْرُبة ] ( 2 ) ، وكان أسامة ( 3 ) على الباب ، فتقدمت إليه فقلت : استأذن لي ، فاستأذن ، فلم يُجَب ، فرجعت . فلما بلغت بعض حجر المدينة ، نازعتني نفسي ؛ فانصرفت فقلت : استأذن لي ، فاستأذن ؛ فلم يجب ؛ فرجعت ، فلما بلغت بعض حجر المدينة نازعتني نفسي ، فانصرفت فقلت : استأذن لي ، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوتي ، فقال : اصعد ، فكان صلى الله عليه وسلم نائماً على حصير من الليف ، فاستوى جالساً ، وإذا الليف قد أثّر في جنبه ، فقلت : إن كسرى وقيصر يفترشان الديباج والحرير وأنت على مثل هذا ، فقال صلى الله عليه وسلم : " في شك أنت يا بن الخطاب ؟ أما علمت أنها لهم في الدنيا ، ولنا في الآخرة " ، ثم قصصت عليه القصة ، فلما بلغت إلى قولي لحفصة لا تغتري ببنت ابن أبي قحافة بَسِمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت : أطلقت نساءك ؟ فقال : " ل " . فقلت : الله أكبر " ( 4 ) .

--> ( 1 ) في الأصل : غساناً . ولم ندر لها وجهاً . ( 2 ) بياض بالأصل ، والمثبت من نصّ الخبر . ( 3 ) في بعض روايات الحديث : " وكان على الباب غلام أسود " . وفي بعضها : " رباح " . ( 4 ) أثر عمر رضي الله عنه متفق عليه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ( ر . اللؤلؤ والمرجان : 2 / 115 - 120 ، ح 944 ، 945 ) .