عبد الملك الجويني

10

نهاية المطلب في دراية المذهب

وروي أنه آلى عن نسائه شهراً ، فمكث في غرفته شهراً ، فنزلت آية التخيير ، فلما نزلت بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة رضي الله عنها ، فدخل عليها وقال : " إني ملق إليك أمراً ، فلا تبادريني فيه بالجواب حتى تؤامري فيه أبويك " ، وتلا قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ } [ الأحزاب : 28 ] الآيات . فقالت : أفي مثل هذا أؤامر أبوي ؟ اخترت الله ورسوله والدار الآخرة ، ثم قالت : لا تخبر زوجاتك بذلك ، وطلبت أن يخترن الدنيا ، فيفارقهن صلى الله عليه وسلم ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل على نسائه ، وأخبرهن بما جرى مع عائشة ، وكان يتلو عليهن آية التخيير ، فاخترن بأجمعهن الله ورسوله والدار الآخرة ( 1 ) . فثبت بذلك وجوب التخيير عليه صلى الله عليه وسلم . وذهب بعض الأصحاب إلى أن واحدة منهن لو اختارت الدنيا ، لكانت تبين بنفس الاختيار ، كما لو خيّر أحدنا زوجته ، ونوى تفويض الطلاق إليها ، فقالت : اخترت نفسي ، ونوت الطلاق ؛ فإنها تبين بنفس الاختيار . قال ( 2 ) : وهذا غير مرضي ؛ فإن الآية اقتضت التخيير بين الدنيا وزهرتها وبين الآخرة ، ولا يماثل ما يجري بين الزوجين منا . قال : والأولى في التوجيه أن اختيار إحداهن الدنيا يضاد صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والدليل عليه أن هذا القائل يقول : لو اختارت الدنيا ، كان يجب على المصطفى صلى الله عليه وسلم أن يفارقها ، والفرقة إذا وجبت ، وقعت عندنا ، ولهذا

--> ( 1 ) واقعة التخيير أخرجها الشيخان من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة رضي الله عنها ، وليس فيها أن عائشة طلبت أن يختار نساء النبي صلى الله عليه وسلم الدنيا فيفارقهن ، قال الحافظ في الفتح ( 8 / 382 ) : " وقع في النهاية ، والوسيط التصريح بأن عائشة أرادت أن يختار نساؤه [ صلى الله عليه وسلم ] الفراق ، فإن كانا ذكراه فيما فهماه من السياق فذاك ، وإلا فلم أر في شيء من طرق الحديث التصريح بذلك " ا . ه‍ ( ر . البخاري : التفسير ، تفسير سورة الأحزاب ، باب " قل لأزواجك إن كنتن تردن . . . " ح 4785 ، مسلم : الطلاق ، باب في الإيلاء واعتزال النساء وتخييرهن ، ح 1475 ) . ( 2 ) أي إمام الحرمين .