عبد الملك الجويني
19
نهاية المطلب في دراية المذهب
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
--> = زوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش من زيد ، فمكثت عنده حيناً ، ثم إنه عليه السلام أتى زيداً يوماً يطلبه ، فأبصر زينب قائمة ، وكانت بيضاء جميلة جسيمة من أتم نساء قريش ، فهويها ؛ وقال : " سبحان الله مقلّب القلوب " ! فسمعت زينب بالتسبيحة ، فذكرتها لزيد ؛ ففطن زيد ؛ ففال : يا رسول الله ، ائذن لي في طلاقها ؛ فإن فيها كبراً ، تعظُم عليَّ ، وتؤذيني بلسانها ، فقال عليه السلام : أمسك عليك زوجك واتق الله " انتهى ما حكاه القرطبي عن مقاتل . وأتبعها بروايات أخرى مثلها ، مما قال عنه الألوسي في تفسيره : " وللقصاص في هذا كلامٌ لا ينبغي أن يجعل في حيز القبول " . أما ابن العربي فبعد أن روى مثل هذا عن المفسرين ، قال ثائراً غاضباً فيما سماه تنقيح الأقوال وتصحيح الحال . قال : " قد بينا في غير موضع عصمة الأنبياء صلوات الله عليهم من الذنوب . . . وعهدنا إليكم عهداً لن تجدوا له ردّاً أن أحداً لا ينبغي له أن يذكر نبياً إلا بما ذكره الله لا يزيد عليه ؛ فإن أخبارهم مروية وأحاديثهم منقولة بزياداتٍ تولاها أحد رجلين : إما غبيٌّ عن مقدارهم ، وإما بدْعي لا أرب له في برّهم ووقارهم ؛ فيدس تحت المقال المطلق الدواهي ، ولا يراعي الأدلَة والنواهي . . . فهذا محمد صلى الله عليه وسلم ما عصى قط ربّه في حال الجاهلية ولا بعدها . . . فلم يقع قط في ذنب صغير - حاشا لله - ولا كبير ، ولا وقع في أمر يتعلّق به لأجله نقصٌ ، ولا تعيير . . . فهذه الروايات كلها ساقطة " . ثم قال بعد ذلك : " . . . فأما قولهم : إن النبي صلى الله عليه وسلم رآها ؛ فوقعت في قلبه ، فباطلٌ ؛ فإنه كان معها في كل وقت وموضع ، ولم يكن حينئذٍ حجاب . فكيف تنشأ معه وينشأ معها ، ويلحظها في كل ساعة ، ولا تقع في قلبه إلا إذا كان لها زوج . . . حاشا لذلك القلب المطهر من هذه العلاقة الفاسدة " . ا . ه - . هذا ومن المعاصرين الذين قالوا بهذا التفسير الدكتورة بنت الشاطئ - عائشة عبد الرحمن - على علمها وفضلها - فقد جاهرت بهذا التفسير ودافعت عنه بقوة في خبط وتخليط حول تأكيد بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم . والإمام السيوطي الذي أورد مثل هذا القصص في أسباب النزول ، لم يعدّ هذه من الخصائص - على كثرة ما عدّد من الخصائص الكبرى - بل اقتصر في تفسير الآية على ما رواه البيهقي عن علي بن الحسين زين العابدين ، وهو التفسير المرضي الذي سنورده بعد سطور . أما التفسير الصحيح الذي قال عنه القرطبي : " قال علماؤنا - رحمة الله عليهم - : هو أحسن ما قيل في تأويل هذه الآية ، وهو الذي عليه أهل التحقيق من المفسرين والعلماء الراسخين كالقاضي بكر بن العلاء القشيري ، والقاضي أبي بكر بن العربي وغيرهم " ، وهذا التفسير يقوم على أن الذي أخفاه النبي صلى الله عليه وسلم في نفسه هو علمه بأن زيداً سيفارقها ، وأنه صلى الله عليه وسلم سيتزوجها ، فقد كان الله قد أوحى إليه بذلك ، وليس أنه أخفى حبه لها ! !