عبد الملك الجويني
20
نهاية المطلب في دراية المذهب
ومنها أنه أعتق صفية ، وجعل عتقها صداقها ( 1 ) ، ووقع الاتفاق على أنه كان له في ذلك خاصية ، فقيل : هي أنه لزمها الوفاء بالتزوج به ، وغيره لو أعتق أمته على أن تتزوج به ، لم يلزمها الوفاء وتلزمها قيمتها . وقيل : الخاصية أنه جعل عتقها صداقها مع الجهل بقيمتها ، وفي جواز ذلك في حق الأمة خلاف . ومنها أنه جاز له دخول مكة من غير إحرام ، وفي جوازه للأُمّة خلاف .
--> = " فحاصل العتاب - كما قال الألوسي - : لم قلتَ : أمسك عليك زوجك ، وقد أعلمتك أنها ستكون من أزواجك ، وهو مطابق للتلاوة - أي يتفق مع نظم الآية - لأن الله تعالى أعلم أنه مبدي ما أخفاه عليه الصلاة والسلام ، ولم يظهر غير تزويجها منه ، فقال سبحانه { زَوَّجْنَاكَهَا } فلو كان المضمر محبتها ، وإرادة طلاقها ونحو ذلك ، لأظهره الله جل وعلا " . انتهى كلام الألوسي . أما ما كان يخشاه صلى الله عليه وسلم من الناس ، فهو أن يرجف المنافقون بأنه نهى عن تزوّج نساء الأبناء ، وتزوجّ بزوجة ابنه . ويبقى بعد ذلك إشكال ، وهو كيف يقول صلى الله عليه وسلم لزيد : { أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ } وقد أعلمه الله أنه مفارقها ، وأنه سيتزوجها ؟ وقد أجاب عن ذلك ابن العربي بقوله : " فإن قيل : كيف يأمره بالتمسك بها ، وقد علم أن الفراق لا بدّ منه ، وهذا تناقض ؟ قلنا : بل هو صحيح للمقاصد الصحيحة ، لإقامة الحجة ، ومعرفة العاقبة . ألا ترى أن الله يأمر العبد بالإيمان ، وقد علم أنه لا يؤمن ، فليس في مخالفة متعلق الأمر لمتعلق العلم ما يمنع من الأمر به عقلاً وحكماً ، هذا من نفيس العلم ، فتيقنوه وتقبلوه " هذا ما قاله ابن العربي في ( أحكام القرآن ) ونقله عنه القرطبي في تفسيره . وأخيراً نقول : لعل إمام الحرمين كان أول من قال بهذه الخصيصة من خصائصه صلى الله عليه وسلم ، فإن ابن العربي وهو يعدد خصائص المصطفى صلى الله عليه وسلم ذكر هذه الخصيصة ، ثم قال : " هكذا قال إمام الحرمين ، ثم أشار إلى ما سبق من ردّه لذلك ، وتبع الغزالي إمامه في ذلك . ( راجع في هذه القضية : أحكام القرآن لابن العربي : 3 / 1541 - 1544 ، 1563 ) و ( تفسير القرطبي : 14 / 188 - 192 ) و ( تفسير الألوسي : 22 / 24 - 26 ) و ( تفسير الماوردي : 326 - 328 ) و ( الخصائص الكبرى للسيوطي : 2 / 246 ) و ( الوسيط للغزالي : 5 / 17 ) . ( 1 ) حديث " أنه أعتق صفية وجعل عتقها صداقها " متفق عليه من حديث أنس ( ر . البخاري : النكاح ، باب من جعل عتق الأمة صداقها ، ح 5086 ، مسلم : النكاح ، باب فضيلة إعتاقه أمته ثم يتزوجها ، ح 1365 ، التلخيص : 3 / 281 ) .