عبد الملك الجويني

11

نهاية المطلب في دراية المذهب

استدللنا بوجوب الفراق في اللعان على وقوعه . قلت : وفيما ذكره نظر ؛ فإنه لو كان اختيار الدنيا يضاد صحبة رسولي الله صلى الله عليه وسلم ، لتعجلت الفرقة ، ولو وقعت الفرقة ، لم يكن لقوله تعالى : { فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ } [ الأحزاب : 28 ] معنى ؛ فإن المفارِقة كيف تفارَق ؟ وقوله : إن الفرقة إذا وجبت وقعت - لا يصح ، وليس ذلك مذهباً ، ولهذا إذا أمتنع المُولي من الفيئة ، وجب عليه أن يطلق ، ولا يقع الطلاق قبل تطليقه . وكذا إذا رأى الحكمان في باب النشوز الطلاق ، كان التطليق واجباً ، ولا تطلق بنفس وجوب التطليق . وأما في باب اللعان ، فلا نقول بأن الفرقة وقعت بوجوبها ، بل تقع بكمال ألفاظ اللعان . قالى : ومن أصحابنا من قال : إن قلنا : إن الفرقة لا تقع ، لكن كان يجب على النبي صلى الله عليه وسلم أن يفارقها تلقياً من قوله سبحانه : { فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ } [ الأحزاب : 28 ] . وظاهرهُ وجوبُ الفرقة ، وقد تحقق أن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم ، فلا يناط بالأقيسة التي تناط بها أحكام العامة ، وإنما يتبع فيها موارد الشرع من غير زيادة . وذكر الخلاف في خصائصه خبطٌ ، لا فائدة فيه ؛ لأنه لا يتعلق بها حكم ناجز تمس الحاجة إليه ، وإنما نجتهد فيما لا نجد بداً من إثباته أو نفيه ، وما خلا منه تهجّم على الغيب من غير ثمرة . وانبنى على هذا أنه هل كان يلزمهن الجواب على الفور ؟ فقيل : إن قلنا : إن الفرقة تقع بنفس الاختيار ، اقتضى أن يكون الجواب على الفور ، على قولٍ ، كما لو خير أحدنا زوجته ، ففي وجوب الاختيار على الفور قولان . قالى : وهذا في نهاية الضعف ؛ فإنه صلى الله عليه وسلم قال لعائشة : " ولا تبادريني بالجواب حتى تستأمري أبويك " . فإن قيل : ما كان لها ذلك تخييراً ناجزاً ، قلنا : فلم اكتفى به صلى الله عليه وسلم في جواب التخيير ؟ فلا حاصل لذكر الخلاف فيه . وإن قلنا : لا تحصل الفرقة بنفس الاختيار ، فلا يلزمهن الجواب على الفور ، وهو الصحيح . ولما اخترن الله سبحانه ورسوله والدار الآخرة جازاهنّ الله سبحانه ، فحرم عليه