عبد الملك الجويني

79

نهاية المطلب في دراية المذهب

3525 - أما اشتراط الاستقلال والاتصاف بشرائطه عند العقد وعند القبض ، فبيّن لا إشكال فيه ، وإنما الكلام فيه إذا تخللت أحوال بين العقد وبين القبض ، ثم فرض زوالها ، فهل يُقضى بارتفاع العقد وانفساخه ؟ أم كيف الكلام ؟ الذي يقتضيه الترتيب أن نذكر موت الراهن ، أو موت المرتهن بين العقد والقبض ، نص الشافعي على أن الرهن يسلم إلى ورثة المرتهن ، وهذا تصريح منه بأن الرهن لا يبطل بموت المرتهن قبل القبض . وحكى بعض أصحابنا نصّاً أن الراهن لو مات قبل الإقباض ، بطل الرهن . ثم اختلف الأئمة : فمنهم من جعل في موت الراهن والمرتهن قبل القبض قولين : أحدهما - أن الرهن يبطل بموت كل واحد منهما ؛ فإنه على حقيقة الجواز قبل القبض ، والعقود الجائزة تنفسخ بموت أحد المتعاقدين في أثناء الجواز ، والذي يحقق ذلك أن القبض فيما يشترط القبض فيه يقع موقع أحد جوابي البيع وغيره ؛ فإنه ركن في تحصيل مقصود العقد . والقول الثاني - لا يبطل العقد بموت كل واحد منهما ؛ فإن مصير العقد إلى اللزوم على الحد المعلوم ، فكان الموت قبل القبض كموت أحد المتعاقدين في زمان الخيار . ومن أصحابنا من قال : يبطل الرهن بموت الراهن قبل القبض ، ولا يبطل بموت المرتهن . والفارق أن الراهن ربما يموت وعليه ديون مستغرقة ، فإذا لم يلزم الرهن بالقبض ، فالوجه انقطاع الرهن ، وتقديم الحقوق اللازمة . وإن لم يكن ديون ، فلا نظر إلى هذا ، بل النظر إلى إمكانه . قال الشيخ أبو محمد : السديد في ذلك أن نقول : إن مات الراهن وخلَّف ديوناً مستغرقة ، فلأصحاب الديون المنعُ من تخصيص المرتهن بشيء . لا يجوز خلاف ذلك . فأما إذا لم تكن ديون مستغرقة ، أو كانت ، ورضي الغرماء بالتخصيص وإنفاذ الرهن ؛ فإذ ذاك يختلف الأصحاب . 3526 - والمذهب الظاهر أن الرهن لا يبطل بموت المرتهن ، ولا بموت الراهن ، لما ذكرناه من أن العقد مصيره إلى اللزوم ، والعقود الجائزة التي تنفسخ بالموت