عبد الملك الجويني

63

نهاية المطلب في دراية المذهب

بَابُ التَّسْعِير وهل ينادي منادي الإمام في البلد ، ويأمر بسعرٍ مقدرٍ في جنس حتى لا يتعدَّوْه ؟ 3508 - فنقول : ليس للإمام هذا في رخاء الأسعار وسكون الأسواق ؛ فإنه حجرٌ على الملاك ، وهو ممتنع . فأما إذا غلت الأسعار ، واضطر الناسُ ، فهل يجوز للإمام أن يسعّر ؟ فيه وجهان مشهوران : أحدهما - المنع طرداً للقياس الكلي . والثاني - الجواز ، نظراً إلى مصلحة العامة . وقد روي : " أن عمرَ بن الخطاب - رضي الله عنه - مر بحاطب بن أبي بلتعة ، وبين يديه غَرارتان فيهما زبيب ، فسأله عن سعره ، فَسَعَّر مُدَّين بدرهم فرآه عمرُ غالياً ، وقال : " حُدّثتُ بعِيرٍ مقبلة من الطائف تحمل زبيباً ، وهم يعتبرون بسعرك ، فإما أن ترفع في السعر ، وإمَا أن تدخل زبيبك البيتَ ، فتبيعه كيف شئت " ( 1 ) . وأراد برفع السعر الزيادة في وزن الزبيب . ومن منع التسعير احتج بما روي عن أنس أنه قال : غلت الأسعار بالمدينة ، وقلنا : يا رسول الله لو سعرت لنا ! فقال عليه السلام : " إن الله هوَ المسعر القابض الباسط الرازق ، وإني لأرجو أن ألقى الله تعالى وليس لأحد منكم مظلمة في دم ولا مال " ( 2 ) وأما حديث عمر فقد روي أنه كان يحاسب نفسه كل ليلة بما جرى له في

--> ( 1 ) حديث حاطب بهذا السياق ، وبهذه الألفاظ رواه الشافعي : المختصر : 2 / 209 . وروى مالك في الموطأ أن عمر رضي الله عنه مر بحاطب ، وهو يبيع زبيباً له بالسوق ، فقال له عمر : إما أن تزيد في السعر ، وإما أن ترفع من سوقنا . الموطأ : كتاب البيوع ، باب الحكرة والتربص ، ح 57 ص 651 . ( 2 ) حديث أنس ، رواه أحمد : 3 / 156 ، 286 ، أبو داود : الإجارة ، باب التسعير ، ح 3451 ، والترمذي : البيوع ، باب ما جاء في التسعير ، ح 1314 ، وابن ماجة : الإجارات ، باب من كره أن يسعر ، ح 2200 ، والدارمي : ح 2545 ، وأبو يعلى : ح 2774 ، 2861 ، 3830 . =