عبد الملك الجويني

521

نهاية المطلب في دراية المذهب

وجهين : أقيسهما - أنه يرجع ؛ لأن الحوالة أقيمت مقام الإقباض في وضعها ، بل هي أقوى من الإقباض ؛ فإن القبض قد يُنقض ، والحوالةُ بعيدةٌ عن قبول النقض . والثاني - لا يرجع عليه ؛ لأن الاسترداد على حسب الإقباض ، وهو لم يقبضه حساً ، فكيف يسترد منه حساً ، بل سبيل الاسترداد أن يقع إذا حصل القبض الحقيقي . 4256 - ثم إن قلنا : الحوالة باقية ، فلا شك أن البائع يطالب المحال عليه بتوفية مال الحوالة ، فلو أبرأه على هذا ، فيضمن حينئذ [ للمشتري ] ( 1 ) الثمنَ ؛ فإنَّ إبراءه بمثابة استيفائه . وممّا ينشأ من ذلك : أنا إذا قلنا : لا يرجع المشتري على البائع قبل قبض مال الحوالة ، فهل يملك مُطالبتَه بمُطالبة المحال عليه أم لا ؟ من أصحابنا من قال : يملك مُطالبتَه على النحو الذي ذكره ؛ لأن البائع مالكٌ لمطالبة المحال عليه ، فيبعد أن يمتلك البائع ذلك من جهة المشتري ، ولا يثبت للمشتري أصلُ توجيهِ المطالبةِ . ومن أصحابنا من قال : لا يملك المشتري الرجوعَ بالثمن ، ولا المطالبةَ بتحصيله . وهذا بعيدٌ جداً . 4257 - وإن حكمنا بأن الحوالة تنتقض برد المبيع ، فإنْ كان قبض المال قبل الرد ، فهل نحكم بانتقاض الحوالة الآن ؟ وفائدةُ ذلك أن يتعين على البائع ردُّ عين ما قبضه ؟ أم نحكم بأن الحوالة لا تقبل النقضَ بعد قبض المال من المحال عليه ؟ فعلى وجهين ، وفائدة قولنا : لا تنتقض ، أن البائع لو أراد أن يأتي ببدَلٍ عما قبضه ، ولا يردّ عينَه ، كان له ذلك . ولو لم يقبض البائع المالَ من المحال عليه حتى حكمنا بارتفاع الحوالة ، فلا شك أن المطالبة تنقطع عن البائع ، وينقلب الدّينُ في ذمة المحال عليه ، بعد الحكم بانفساخ الحوالة ، فلا شك أنه لا يقع قبضُه لنفسه . ولكن هل يقع عن المشتري ؟ فعلى وجهين ذكرهما شيخي : أحدهما - وهو الذي لا يتجه غيرُه - أنه لا يصح قبضُه للمشتري ؛ فإن الحوالة لم تقع للمشتري ، وإنما وقعت للبائع ، فإذا انفسخت وزالت ، لم يبق لها أثر ، ويستحيل أن تنعكس الحوالة وكالةً بالاستيفاء . والوجه الثاني - أن قبضه يصح عن المشتري ؛ فإنه جرى الأمر بالقبض على جهةٍ ،

--> ( 1 ) في الأصل : " المشتري " والمثبت تصرف منا .